النفط يسجل مكاسب قوية عند التسوية مع تصاعد التهديدات الأمريكية لإيران وتراجع حاد في المخزونات

مخاوف الإمدادات تدفع الخام للصعود رغم استمرار ضبابية الطلب العالمي

ارتفعت أسعار النفط بقوة في ختام تعاملات الأربعاء، مدعومة بتجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، بعدما حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رد عسكري “قاسٍ” ضد طهران في حال تعثر المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع المستمر في المنطقة.

وجاءت المكاسب في ظل عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى الأسواق، بالتزامن مع بيانات أظهرت تراجعاً أكبر من المتوقع في مخزونات النفط الأمريكية، الأمر الذي عزز المخاوف من شح المعروض خلال الفترة المقبلة.

برنت فوق 93 دولاراً والخام الأمريكي يتجاوز 90 دولاراً

عند التسوية، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.65 دولار، أو ما يعادل 1.8%، لتغلق عند 93.10 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.83 دولار، أو بنسبة 2%، ليستقر عند 90.03 دولاراً للبرميل.

وكانت الأسعار قد سجلت مكاسب أكبر خلال التداولات، بعدما قفزت بنحو 3 دولارات للبرميل عقب تصريحات ترامب، قبل أن تقلص جزءاً من تلك المكاسب مع انحسار بعض المخاوف المتعلقة بحركة الإمدادات عبر مضيق هرمز.

تهديدات ترامب تعيد إشعال المخاوف الجيوسياسية

تلقت أسواق الطاقة دعماً قوياً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي التي أكد فيها أن إيران ستواجه تداعيات كبيرة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، في أحدث تصعيد سياسي وعسكري بين البلدين.

وجاءت هذه التصريحات عقب تبادل جديد لإطلاق النار خلال الليل، في واحدة من أخطر المواجهات منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أبريل الماضي، ما أعاد إلى الواجهة احتمالات اتساع نطاق الصراع في منطقة تعد محوراً رئيسياً لإنتاج وتصدير النفط عالمياً.

ويرى متعاملون أن الأسواق باتت أكثر حساسية لأي تطور عسكري قد يؤثر على تدفقات الطاقة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران.

علاوة المخاطر تعود إلى أسعار الخام

ساهم التصعيد العسكري الأخير في إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية داخل سوق النفط، بعدما كانت الأسعار قد فقدت جزءاً كبيراً من علاوة الحرب خلال الأسابيع الماضية.

وأشار محللون إلى أن المستثمرين عادوا لإدراج احتمالات تعطل الإمدادات ضمن حساباتهم، خصوصاً مع استمرار التوتر في الخليج العربي وتعقّد المسار الدبلوماسي الرامي إلى إنهاء الأزمة.

كما ساهمت التطورات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني في زيادة حالة القلق، بعد تحركات دولية جديدة للضغط على طهران بشأن أنشطتها النووية.

المخزونات الأمريكية تمنح الأسعار دعماً إضافياً

على صعيد أساسيات السوق، عززت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الاتجاه الصعودي للأسعار، بعدما أظهرت انخفاض مخزونات النفط الخام بمقدار 7.2 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.

وجاء هذا التراجع بأكثر من ضعف التوقعات تقريباً، ما يعكس استمرار قوة الطلب على الخام وسعي المصافي الأمريكية إلى تأمين احتياجاتها وسط مخاوف متزايدة بشأن الإمدادات العالمية.

كما كشفت البيانات عن تراجع مخزونات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى أدنى مستوياتها منذ أغسطس 2023، وهو ما أضاف مزيداً من الدعم للأسعار.

واشنطن تتحرك لاحتواء أزمة الطاقة

في المقابل، أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية دراسة تقديم ما يصل إلى 40 مليون برميل من النفط لشركات الطاقة عبر برنامج إقراض من الاحتياطي الاستراتيجي، في محاولة للحد من ارتفاع أسعار الوقود وتقليل الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي.

وتعكس هذه الخطوة قلق الإدارة الأمريكية من استمرار صعود أسعار الطاقة، خاصة مع دخول موسم الطلب المرتفع وتزايد المخاطر المرتبطة بالإمدادات العالمية.

مضيق هرمز يظل نقطة التوتر الرئيسية

رغم تصريحات أمريكية أشارت إلى نجاح عمليات تأمين مرور شحنات نفطية عبر مضيق هرمز، لا تزال حركة الملاحة في الممر البحري الحيوي أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية قبل اندلاع الحرب.

وتواصل إيران فرض قيود على جزء كبير من حركة الشحن في المنطقة، فيما تواصل الولايات المتحدة تشديد إجراءاتها ضد الموانئ الإيرانية، الأمر الذي يبقي المخاطر المرتبطة بالإمدادات حاضرة بقوة في السوق.

كما ساهمت العملية العسكرية الأمريكية التي استهدفت سفينة تحمل نفطاً إيرانياً في خليج عُمان في تسليط الضوء مجدداً على هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة.

الطلب الصيني يكبح وتيرة الصعود

ورغم العوامل الداعمة للأسعار، لا تزال مؤشرات ضعف الطلب العالمي تحد من المكاسب، خاصة بعد البيانات التي أظهرت تراجع واردات الصين من النفط الخام إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

ويرى مراقبون أن تباطؤ الاستهلاك في أكبر مستورد للخام عالمياً يفرض ضغوطاً على السوق، ويحول دون اندفاع الأسعار إلى مستويات أعلى رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

الأسواق تترقب المرحلة المقبلة

تتجه أنظار المستثمرين حالياً إلى تطورات الصراع الأمريكي الإيراني ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع متابعة بيانات الطلب العالمي ومستويات المخزونات.

وفي ظل استمرار التوترات العسكرية وتراجع المعروض المتاح من المخزونات، تبقى أسعار النفط مدعومة بعوامل صعودية قوية، بينما يظل أي تقدم ملموس في المسار الدبلوماسي أو ضعف إضافي في الطلب العالمي عاملاً قد يحد من وتيرة الارتفاع خلال الفترة المقبلة.