الذهب يتهاوى إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتعزز توقعات الفائدة الأمريكية

ضغوط مزدوجة تدفع المعدن النفيس نحو خسائر حادة

تراجعت أسعار الذهب بقوة خلال تعاملات الأربعاء، لتفقد أكثر من 3% من قيمتها وتسجل أدنى مستوياتها منذ أواخر مارس الماضي، في ظل موجة بيع واسعة اجتاحت أسواق المعادن النفيسة، مدفوعة بتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتنامي المخاوف من عودة الضغوط التضخمية العالمية.

ويأتي هذا التراجع في وقت يعيد فيه المستثمرون تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية الأمريكية، مع تنامي القناعة بأن أي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط قد ينعكس على أسعار الطاقة ويؤخر مسار خفض الفائدة، الأمر الذي قلص جاذبية الذهب كأصل استثماري غير مدر للعائد.

خسائر تتجاوز 3% وأدنى مستوى منذ مارس

هبط الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 3.5% إلى 4,111.95 دولاراً للأوقية، بعدما سجل أدنى مستوياته منذ 23 مارس الماضي، فيما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية تسليم أغسطس بنسبة 3.6% لتغلق عند 4,133.3 دولاراً للأوقية.

ويعد هذا التراجع من أكبر الخسائر اليومية التي يتكبدها المعدن النفيس خلال الأشهر الأخيرة، مع تسارع عمليات التخارج من المراكز الاستثمارية واتساع نطاق جني الأرباح عقب موجة الصعود القياسية التي شهدها الذهب خلال العام الجاري.

التصعيد العسكري يعيد رسم خريطة المخاطر

شهدت الأسواق المالية حالة من التوتر المتزايد عقب تبادل هجمات بين إيران والقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، شملت استهداف قواعد عسكرية في الأردن والكويت والبحرين، وذلك رداً على عمليات أمريكية قرب مضيق هرمز.

كما زادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة القلق في الأسواق بعدما لوّح بإجراءات عسكرية أشد صرامة ضد طهران إذا تعثرت الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق سياسي.

وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة المخاوف من اتساع رقعة الصراع في منطقة تمثل شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، وهو ما عزز توقعات بارتفاع تكاليف الطاقة خلال الفترة المقبلة.

مخاوف التضخم تتفوق على الطلب الدفاعي

على الرغم من أن الذهب يُعد تاريخياً أحد أبرز الملاذات الآمنة خلال فترات الاضطراب الجيوسياسي، فإن الأسواق ركزت هذه المرة على التداعيات الاقتصادية للتصعيد العسكري أكثر من تركيزها على جانب التحوط.

ويرى المستثمرون أن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط والطاقة قد يؤدي إلى تجدد الضغوط التضخمية عالمياً، ما قد يجبر البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

هذا التحول في النظرة الاستثمارية حدّ من تدفقات الملاذ الآمن نحو الذهب ودفع الأسعار إلى مزيد من التراجع.

بيانات التضخم تعزز رهانات التشديد النقدي

جاءت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة لتدعم هذه التوجهات، حيث أظهرت استمرار الضغوط السعرية في الاقتصاد الأمريكي رغم تباطؤ وتيرة الارتفاع مقارنة بالشهور السابقة.

وسجل مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي ارتفاعاً بنسبة 0.2% خلال مايو على أساس شهري، بعد زيادة بلغت 0.4% في أبريل، في إشارة إلى أن معركة الفيدرالي ضد التضخم لم تُحسم بشكل كامل بعد.

وتنتظر الأسواق صدور بيانات أسعار المنتجين الأمريكية، والتي قد تقدم إشارات إضافية بشأن اتجاه الأسعار ومدى الحاجة إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة.

الأسواق ترفع رهانات الفائدة

عززت التطورات الاقتصادية الأخيرة من توقعات المستثمرين بشأن استمرار تشدد الاحتياطي الفيدرالي، حيث تشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يقارب 67% لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع ديسمبر المقبل.

ويؤدي ارتفاع توقعات الفائدة عادة إلى زيادة عوائد السندات الأمريكية وتعزيز جاذبية الدولار، ما يفرض ضغوطاً مباشرة على الذهب نظراً لارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.

أداء متباين لبقية المعادن النفيسة

امتدت الضغوط البيعية إلى معظم المعادن الثمينة، حيث تراجعت الفضة بنسبة 0.8%، فيما انخفض البلاتين بنحو 2.6%.

في المقابل، خالف البلاديوم الاتجاه العام وحقق مكاسب طفيفة بلغت 0.7%، مدعوماً بعوامل مرتبطة بالطلب الصناعي ومخاوف الإمدادات.

الأنظار تتجه إلى الفيدرالي وتطورات الشرق الأوسط

تترقب الأسواق خلال الفترة المقبلة عاملين رئيسيين سيحددان مسار الذهب؛ أولهما تطورات الصراع في الشرق الأوسط وتأثيرها على أسعار الطاقة والتضخم، وثانيهما البيانات الاقتصادية الأمريكية التي ستحدد توجهات الاحتياطي الفيدرالي.

ومع استمرار ارتفاع العوائد الأمريكية وتزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية، يبدو أن المعدن النفيس يواجه مرحلة من الضغوط المتزايدة، ما لم تظهر مستجدات قادرة على إعادة تنشيط الطلب الاستثماري على الملاذات الآمنة.