الذهب يرتفع مع تراجع الدولار والعوائد بعد استيعاب قرار الفيدرالي

الذهب يرتد من قاع 6 أسابيع مع تراجع الدولار والعوائد بعد صدمة الفيدرالي

استعاد الذهب بعض مكاسبه خلال التعاملات الأوروبية يوم الخميس، في أول ارتفاع له خلال أربع جلسات، بعدما جذبت المستويات المنخفضة المشترين إلى السوق، بينما تراجع الدولار وعائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من أعلى مستوياتهما الأخيرة.

وجاءت عودة الذهب إلى الصعود بعد يوم من تعرضه لأكبر ضغوطه في عدة جلسات، إذ أعاد المستثمرون تقييم تداعيات قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة، إلى جانب توقعاته التي أبقت الباب مفتوحًا أمام مزيد من التشديد النقدي لمواجهة تضخم لا يزال أعلى من مستهدف البنك المركزي.

الذهب يعوض جزءًا من خسائره

ارتفع الذهب الفوري بنحو 1.65% إلى 4,335.42 دولار للأوقية، مقارنة مع مستوى افتتاح بلغ 4,264.18 دولار، بعدما سجل أدنى مستوى خلال الجلسة عند 4,257.63 دولار.

ويأتي هذا التعافي بعدما أنهى المعدن النفيس تعاملات الأربعاء منخفضًا بنحو 0.7%، مسجلًا خسارته اليومية الثالثة على التوالي، بينما هبط خلال الجلسة إلى 4,235.30 دولار، وهو أدنى مستوى له في ستة أسابيع.

وكانت موجة البيع الأخيرة قد تسارعت مع صعود الدولار وعوائد السندات الأمريكية عقب قرار الفيدرالي، قبل أن تتحول حركة السوق الخميس لصالح الذهب مع تراجع هذين العاملين.

الأسواق تستوعب رسالة الفيدرالي

رفع الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4.00%، في أول زيادة لتكلفة الاقتراض الأمريكية منذ يوليو 2023.

ورغم أن الزيادة نفسها كانت متوقعة على نطاق واسع، فإن تركيز الأسواق انصب على ما وراء القرار، خصوصًا التعديلات التي طرأت على التوقعات الاقتصادية ورسائل رئيس الفيدرالي كيفن وارش بشأن التضخم ومسار السياسة النقدية.

وتشير التوقعات الجديدة إلى أن البنك المركزي لا يرى التضخم في طريق سريع للعودة إلى هدفه البالغ 2%، ما يعزز احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

التضخم يفرض سقفًا على رهانات خفض الفائدة

رفع الفيدرالي توقعاته للتضخم الإجمالي لعام 2026 إلى 3.7% من 3.6% في توقعات يونيو، بينما أبقى تقديره لعام 2027 عند 2.3%، ورفع توقعاته لعام 2028 إلى 2.1% من 2%.

كما رفع توقعاته للتضخم الأساسي لعام 2026 إلى 3.4% من 3.3%، مع إبقاء توقعات 2027 عند 2.5% ورفع تقديرات 2028 إلى 2.2% من 2.1%.

وفي الوقت ذاته، رفع البنك المركزي توقعاته لسعر الفائدة المستهدف إلى 4.25% في 2026، مقارنة مع 3.75% سابقًا، وإلى 4.25% في 2027 من 3.50%، وإلى 4% في 2028 من 3.25%.

وتعكس هذه التعديلات تحولًا مهمًا في معادلة تسعير الذهب: فكلما طال أمد بقاء الفائدة مرتفعة، زادت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائدًا.

وارش يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التشديد

أشار وارش إلى أن الاقتصاد الأمريكي تحسن منذ اجتماع يونيو، مع استمرار قوة النشاط الاقتصادي وتماسك سوق العمل.

وقال إن التضخم لا يزال مرتفعًا، وإن بيانات الصيف لم تُظهر تحسنًا ملموسًا في الاتجاهات الأساسية للأسعار، مشيرًا إلى أن العديد من فئات الأسعار تسجل زيادات تتجاوز 3% على أساس ستة أشهر و12 شهرًا.

كما اعتبر أنه من الصعب وصف الأوضاع المالية بأنها تقييدية، مؤكدًا أن رفع الفائدة يمثل إزالة لجزء من التيسير النقدي.

وفي المقابل، تجنب وارش تقديم توجيه مسبق بشأن الاجتماع المقبل، مشددًا على أن قرارات السياسة النقدية ستظل معتمدة على البيانات والاتجاهات الاقتصادية، وليس على قراءة منفردة لأي مؤشر.

الدولار يتراجع ويمنح الذهب متنفسًا

تراجع مؤشر الدولار بأكثر من 0.2% خلال تعاملات الخميس، متخليًا عن أعلى مستوى له في سبعة أسابيع عند 100.37 نقطة.

ويبدو أن العملة الأمريكية تتعرض لعمليات جني أرباح وتصحيح بعد موجة صعودها الأخيرة، بينما ينتظر المستثمرون بيانات اقتصادية جديدة يمكن أن تساعد في تحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة.

ويمثل تراجع الدولار عامل دعم مباشر للذهب، إذ يجعل المعدن المقوم بالعملة الأمريكية أقل تكلفة للمشترين من خارج الولايات المتحدة.

عوائد السندات تتراجع من قمة 19 عامًا

تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 1%، مبتعدًا عن أعلى مستوى له في 19 عامًا، في طريقه لتسجيل أول خسارة خلال تسع جلسات.

وتشكل حركة العوائد أحد أهم مفاتيح تسعير الذهب في المرحلة الحالية، بعدما ارتفعت العوائد إلى مستويات مرتفعة بالتزامن مع إعادة تقييم الأسواق لمسار الفائدة الأمريكية.

ويؤدي انخفاض العوائد إلى تقليص تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، ما يفسر جزءًا من عودة الطلب على المعدن بعد هبوطه إلى قاع ستة أسابيع.

النفط يضيف طبقة جديدة إلى معادلة التضخم

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 1% يوم الخميس، لتواصل خسائرها للجلسة الثانية، مبتعدة عن أعلى مستوياتها في أربعة أشهر.

وجاءت الضغوط بعد تصريحات سعودية بشأن السعي إلى تشغيل خط أنابيب شرق-غرب المتضرر من هجمات الحوثيين في أسرع وقت ممكن.

ويتابع المستثمرون سوق النفط عن كثب، إذ إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يعقد مهمة الفيدرالي في احتواء التضخم، بينما قد يؤدي انحسار اضطرابات الإمدادات إلى تخفيف بعض الضغوط السعرية.

رهانات أكتوبر وديسمبر تتحول لصالح رفع الفائدة

أعادت الأسواق تسعير توقعاتها بعد اجتماع الفيدرالي، حيث تراجعت احتمالات إبقاء الفائدة دون تغيير في اجتماع أكتوبر إلى 47% من 52%، بينما ارتفعت احتمالات رفعها 25 نقطة أساس إلى 53% من 48%.

وفي اجتماع ديسمبر، تسعر الأسواق حاليًا احتمالًا يبلغ 90% لرفع الفائدة 25 نقطة أساس، مقابل 10% لاحتمال الإبقاء عليها دون تغيير.

وتضع هذه الرهانات الذهب أمام معادلة أكثر تعقيدًا: فالمعدن يحصل على دعم فني وتدفقات شراء عند المستويات المنخفضة، لكنه يواجه في الوقت نفسه سياسة نقدية قد تصبح أكثر تشددًا إذا استمر التضخم أعلى من المستهدف.

الأنظار تنتقل من قرار الفائدة إلى البيانات

بعد تجاوز لحظة القرار، تتحول أنظار المستثمرين الآن إلى البيانات الاقتصادية الأمريكية وتصريحات مسؤولي الفيدرالي، بحثًا عن أدلة على ما إذا كان رفع الفائدة الأخير سيكون بداية دورة جديدة من التشديد أم خطوة محدودة ضمن مسار أكثر تدرجًا.

وفي الأجل القريب، قد يستفيد الذهب من تراجع الدولار والعوائد وعودة المشترين عند المستويات المنخفضة. لكن استمرار التعافي سيظل معرضًا للاختبار إذا أظهرت البيانات المقبلة أن التضخم أكثر ثباتًا مما يأمل المستثمرون، أو إذا عززت التصريحات الرسمية احتمالات رفع إضافي للفائدة.

وبذلك، تبدو حركة الذهب في المرحلة المقبلة أقل ارتباطًا بقرار الفيدرالي الذي أصبح معروفًا، وأكثر ارتباطًا بالمسار الذي سيختاره البنك المركزي بعده