النفط يستقر قرب أدنى مستوياته منذ مارس وسط رهانات عودة الإمدادات ومخاوف تخمة المعروض

استقرت أسعار النفط العالمية خلال تعاملات الأربعاء بالقرب من أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، مع استمرار حالة الترقب في الأسواق لتداعيات الاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب، والذي عزز التوقعات بعودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، في وقت تواجه فيه السوق ضغوطاً إضافية من تحذيرات متزايدة بشأن فائض محتمل في المعروض العالمي خلال السنوات المقبلة.

وعلى مستوى التداولات، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 0.4% إلى 79.26 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 0.3% إلى 76.29 دولاراً للبرميل.

ورغم هذا الارتفاع الطفيف، لا تزال الأسعار تتحرك بالقرب من أدنى مستوياتها منذ أوائل مارس، بعدما تعرضت لضغوط بيعية قوية في الجلسة السابقة أفقدتها نحو 5% من قيمتها، مع تنامي الرهانات على انحسار المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج.

انفراجة دبلوماسية تضغط على علاوة المخاطر

تواصل الأسواق إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة بعد الإعلان عن تقدم ملموس في مسار التفاهمات بين واشنطن وطهران، وهو ما عزز التوقعات بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الشحن البحري بشكل تدريجي.

ويرى المستثمرون أن نجاح الاتفاق قد يؤدي إلى عودة كميات إضافية من النفط إلى الأسواق العالمية، ما يساهم في تخفيف الضغوط التي دعمت الأسعار خلال الأشهر الماضية نتيجة المخاوف من اضطرابات الإمدادات.

وقال تاماس فارغا، المحلل لدى شركة “بي في إم أويل”، إن السيناريو السائد حالياً يقوم على استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز وعودة التدفقات النفطية تدريجياً، مشيراً إلى أن أي تحسن في حركة الصادرات سيكون له تأثير مباشر على توازن السوق العالمية.

وكالة الطاقة الدولية: المعروض يتجه لتجاوز الطلب

وفي عامل ضغط إضافي على الأسعار، أطلقت وكالة الطاقة الدولية تحذيرات بشأن آفاق سوق النفط على المدى المتوسط، متوقعة اتساع الفجوة بين العرض والطلب بحلول عام 2027.

وأشارت الوكالة إلى أن الإمدادات العالمية مرشحة للزيادة بنحو 8 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة، مقابل نمو محدود للطلب لا يتجاوز مليوني برميل يومياً، ما يفتح الباب أمام فائض كبير في السوق.

كما لفتت إلى أن تراجع المخاطر الجيوسياسية قد يدفع العديد من الدول إلى استغلال الأسعار الحالية لإعادة تكوين مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية، الأمر الذي قد يوفر دعماً مؤقتاً للطلب خلال الفترة القريبة.

عودة النفط الإيراني تلوح في الأفق

ساهمت التطورات المتعلقة بالاتفاق الأمريكي الإيراني في تعزيز التوقعات بزيادة المعروض العالمي، بعدما كشفت تقارير عن إمكانية استئناف صادرات النفط الإيرانية فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

كما تشير المعلومات المتداولة إلى أن مذكرة التفاهم المرتقبة ستتضمن تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً إضافية، بما يسمح للطرفين باستكمال المفاوضات الخاصة بالملفات النووية والأمنية والاقتصادية.

ورغم ذلك، يؤكد خبراء الطاقة أن استعادة مستويات الإنتاج والتصدير السابقة لن تكون فورية، إذ تحتاج البنية التحتية وسلاسل الإمداد إلى فترة زمنية قد تمتد لعدة أشهر قبل العودة الكاملة إلى مستويات ما قبل الأزمة.

ضبابية المشهد السياسي تحد من موجة الهبوط

وعلى الرغم من التفاؤل الذي يسود الأسواق، لا تزال بعض المخاطر السياسية قائمة، خصوصاً في ظل استمرار الغموض بشأن الصيغة النهائية للاتفاق واحتمالات ظهور عقبات خلال المفاوضات المقبلة.

كما أن التحفظات الإسرائيلية على بعض التفاهمات المطروحة أثارت تساؤلات حول مدى استدامة الاتفاق وقدرته على إرساء استقرار طويل الأمد في المنطقة، وهو ما يدفع بعض المستثمرين إلى تجنب المراهنة بقوة على هبوط الأسعار.

المؤسسات المالية تعيد تقييم توقعاتها

وفي ضوء المستجدات الأخيرة، خفض بنك غولدمان ساكس توقعاته لأسعار النفط خلال الفترات المقبلة، متوقعاً وصول متوسط خام برنت إلى نحو 80 دولاراً للبرميل خلال الربع الرابع من عام 2026، مقارنة بتقديرات سابقة عند 90 دولاراً.

ويستند هذا التعديل إلى تراجع المخاطر الجيوسياسية وتحسن احتمالات عودة الإمدادات الخليجية والإيرانية إلى الأسواق بوتيرة أسرع من المتوقع.

انخفاض المخزونات الأمريكية يوفر دعماً محدوداً

في المقابل، وجدت الأسعار بعض الدعم من بيانات المخزونات الأمريكية، حيث أظهر تقرير معهد البترول الأمريكي تراجع مخزونات الخام بمقدار 8.3 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.

وجاء الانخفاض أعلى بكثير من تقديرات الأسواق التي كانت تشير إلى تراجع بنحو 4.6 مليون برميل فقط، ما يعكس استمرار قوة الطلب على النفط في الولايات المتحدة رغم التحديات الاقتصادية العالمية.

وتنتظر الأسواق صدور البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لاحقاً اليوم، والتي قد توفر إشارات أكثر وضوحاً حول اتجاهات الاستهلاك ومستويات المعروض خلال الفترة المقبلة.

الأسواق بين وفرة المعروض وقوة الطلب

في المجمل، يبقى سوق النفط عالقاً بين عاملين متناقضين؛ الأول يتمثل في احتمالات زيادة الإمدادات العالمية نتيجة الاتفاق الأمريكي الإيراني، والثاني يتمثل في استمرار تراجع المخزونات وتحسن الطلب الفعلي في بعض الأسواق الرئيسية.

وبين هذين العاملين، يواصل المستثمرون مراقبة تطورات المفاوضات السياسية وبيانات العرض والطلب بحثاً عن مؤشرات أوضح لتحديد الاتجاه المقبل لأسعار النفط