النفط يستقر قرب أدنى مستوياته الأخيرة وسط تصاعد التوترات الأمريكية الإيرانية وترقب تطورات الإمدادات

الأسواق تترقب مآلات التصعيد العسكري وسط تضارب العوامل المؤثرة

استقرت أسعار النفط خلال تعاملات الأربعاء، بعدما فشلت موجة التصعيد الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران في منح الأسعار زخماً صعودياً مستداماً، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن ضعف الطلب العالمي، مقابل الدعم الذي توفره المخزونات المنخفضة ومخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط.

ويعكس الأداء الحالي للسوق حالة من التوازن الحذر بين المخاوف الجيوسياسية المتصاعدة والعوامل الأساسية المرتبطة بالعرض والطلب، مع ترقب المستثمرين لأي تطورات قد تعيد رسم ملامح سوق الطاقة خلال الفترة المقبلة.

تحركات محدودة بعد جلسة متقلبة

سجلت العقود الآجلة لخام برنت تراجعاً طفيفاً بنحو 25 سنتاً، أو ما يعادل 0.23%، لتتداول عند 91.24 دولاراً للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 14 سنتاً، أو 0.16%، إلى 88.06 دولاراً للبرميل.

وكان الخامان قد ارتفعا في بداية التعاملات مدعومين بتجدد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، قبل أن تتلاشى المكاسب تدريجياً مع عودة المستثمرين للتركيز على مؤشرات الطلب العالمي وآفاق النمو الاقتصادي.

التصعيد العسكري يعيد علاوة المخاطر إلى السوق

شهدت أسواق الطاقة عودة المخاوف الجيوسياسية إلى الواجهة بعد تنفيذ القوات الأمريكية ضربات ضد أهداف إيرانية رداً على إسقاط مروحية هجومية أمريكية في منطقة الخليج.

وأعادت هذه التطورات إدراج علاوة المخاطر الجيوسياسية ضمن تسعير النفط، مع تنامي المخاوف من اتساع دائرة الصراع في منطقة تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة عالمياً.

ورغم ذلك، فإن استجابة الأسعار جاءت محدودة مقارنة بموجات الصعود السابقة، ما يعكس اقتناع شريحة واسعة من المستثمرين بأن احتمالات احتواء الأزمة لا تزال قائمة عبر المسار الدبلوماسي.

ضبابية المشهد السياسي تحد من شهية المستثمرين

لا تزال الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى اتفاق دائم تواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار التوتر بين الأطراف الإقليمية وتباين المواقف بشأن مستقبل العمليات العسكرية.

وتراقب الأسواق عن كثب تطورات العلاقات بين واشنطن وطهران، إلى جانب الموقف الإسرائيلي من العمليات العسكرية في لبنان، باعتبارها عوامل قد تحدد مسار أسعار النفط خلال المدى القريب.

ويرى متعاملون أن أي انتكاسة للمسار الدبلوماسي قد تعيد المخاوف بشأن الإمدادات إلى الواجهة وتدفع الأسعار إلى مستويات أعلى مجدداً.

مضيق هرمز يواصل فرض حضوره على المشهد النفطي

يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية، مع استمرار القيود التي تؤثر على حركة الشحن البحري في المنطقة.

ورغم التصريحات الأمريكية التي أشارت إلى تحسن نسبي في حركة السفن وارتفاع تدفقات النفط عبر الخليج، فإن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع أي تطورات قد تؤثر على أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ويعني ذلك أن المخاطر المرتبطة بالإمدادات لم تتراجع بالكامل، رغم الهدوء النسبي الذي تشهده الأسواق مقارنة بالفترات السابقة.

ضعف الطلب الصيني يحد من مكاسب الخام

في المقابل، يواصل تباطؤ الطلب الآسيوي الضغط على الأسعار، بعد البيانات التي أظهرت تراجع واردات الصين من النفط الخام إلى أدنى مستوياتها في عدة سنوات.

ويثير هذا التراجع مخاوف بشأن قوة الطلب العالمي خلال النصف الثاني من العام، خاصة مع استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ويعد ضعف الاستهلاك الصيني أحد أبرز العوامل التي تكبح أي موجة صعود قوية في أسعار النفط، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وانخفاض مستويات المخزون.

المخزونات الأمريكية توفر دعماً للأسعار

وعلى جانب العرض، تلقت السوق دعماً من مؤشرات استمرار السحب من المخزونات الأمريكية، حيث أظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي انخفاض مخزونات النفط الخام للأسبوع الثامن على التوالي.

كما تراجعت مخزونات البنزين، في إشارة إلى استمرار قوة الطلب المحلي على الوقود داخل الولايات المتحدة، أكبر مستهلك للطاقة في العالم.

وتشير هذه البيانات إلى أن أساسيات السوق لا تزال داعمة للأسعار على المدى المتوسط، رغم الضغوط الناجمة عن ضعف الطلب الخارجي.

النفط بين شح المعروض وضعف الاستهلاك

تتحرك أسواق النفط حالياً في بيئة تتسم بتوازن دقيق بين عوامل متناقضة؛ فمن جهة، تدعم المخاطر الجيوسياسية وانخفاض المخزونات الأسعار، ومن جهة أخرى يحد تباطؤ الطلب العالمي وتراجع الاستهلاك الصيني من أي مكاسب كبيرة.

ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وترقب نتائج المفاوضات السياسية والبيانات الاقتصادية المقبلة، من المرجح أن تبقى أسعار النفط عرضة لتقلبات حادة، مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب لأي مؤشرات جديدة قد تحسم اتجاه السوق خلال المرحلة القادمة