الذهب ينتعش بقوة مع انحسار مخاطر التصعيد العسكري وتراجع توقعات التشديد النقدي الأمريكي

المعدن النفيس يرتد من أدنى مستوياته في أشهر بدعم تحسن المعنويات وتراجع الضغوط التضخمية

سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً قوياً خلال تعاملات الخميس، لتعوض جانباً من خسائرها الأخيرة بعدما عززت مؤشرات التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران شهية المستثمرين تجاه المعدن النفيس، في وقت ساهمت فيه تراجعات أسعار النفط وانخفاض توقعات رفع الفائدة الأمريكية في دعم موجة التعافي.

وجاء الصعود بعد أيام من الضغوط المكثفة التي دفعت الذهب إلى أدنى مستوياته منذ أواخر نوفمبر الماضي، وسط عمليات بيع واسعة النطاق ناجمة عن تصاعد المخاوف التضخمية وارتفاع الرهانات على استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.

الذهب يستعيد زخمه بعد موجة هبوط حادة

ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2% ليصل إلى 4,153.71 دولار للأوقية، بعدما لامس في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوى له في أكثر من ستة أشهر.

ورغم تراجع العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.5% عند التسوية إلى 4,114 دولاراً للأوقية، فإن الأداء العام للمعدن الأصفر عكس تحسناً ملحوظاً في معنويات المستثمرين وعودة الطلب الشرائي عند المستويات المنخفضة.

ويأتي هذا التعافي عقب سلسلة خسائر حادة تعرض لها الذهب نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية.

قرار ترامب يهدئ الأسواق ويقلص المخاوف التضخمية

تلقت الأسواق دفعة إيجابية بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء خطط كانت تستهدف تنفيذ ضربات عسكرية إضافية ضد إيران، في خطوة فسّرها المستثمرون على أنها مؤشر على تراجع احتمالات اتساع نطاق الصراع الإقليمي.

كما أشار ترامب إلى إحراز تقدم في المباحثات الجارية بشأن اتفاق سلام محتمل، مؤكداً أن المناقشات النهائية تحظى بدعم عدد من القوى الإقليمية والدولية.

وأدى هذا التطور إلى تهدئة المخاوف المرتبطة بارتفاع أسعار النفط وتعطل الإمدادات العالمية، وهو ما انعكس مباشرة على توقعات التضخم واتجاهات السياسة النقدية.

تراجع رهانات رفع الفائدة يدعم المعدن الأصفر

استفاد الذهب أيضاً من انخفاض توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، بعدما أعادت الأسواق تقييم مسار السياسة النقدية في ضوء التطورات الجيوسياسية والبيانات الاقتصادية الأخيرة.

وتراجعت احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع ديسمبر المقبل إلى نحو 62% مقارنة بمستويات قاربت 69% في وقت سابق، ما خفف الضغوط على الأصول غير المدرة للعائد وفي مقدمتها الذهب.

ويعد انخفاض توقعات التشديد النقدي عاملاً داعماً للمعدن النفيس، نظراً لتراجع تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول ذات العائد المرتفع.

بيانات الاقتصاد الأمريكي ترسل إشارات متباينة

على صعيد المؤشرات الاقتصادية، أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكية ارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية بأكثر من المتوقع، ما يعكس بعض التباطؤ في وتيرة النشاط الاقتصادي وسوق التوظيف.

في المقابل، لا تزال الضغوط التضخمية حاضرة بقوة، حيث سجلت أسعار المنتجين ارتفاعاً فاق التوقعات خلال مايو، كما ارتفع التضخم الاستهلاكي إلى أعلى مستوياته في ثلاث سنوات مدفوعاً بالزيادة الكبيرة في أسعار الطاقة.

وتعزز هذه البيانات حالة الترقب داخل الأسواق بشأن الخطوات المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، في ظل استمرار التوازن الدقيق بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي.

الأنظار تتجه إلى الفيدرالي الأمريكي

تترقب الأسواق اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل، والذي يمثل محطة رئيسية لتحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

ويترقب المستثمرون أي إشارات جديدة بشأن مستقبل أسعار الفائدة وتقييم البنك المركزي للمخاطر الاقتصادية والتضخمية، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية وأسواق الطاقة.

المعادن النفيسة الأخرى تواكب موجة الصعود

امتدت المكاسب إلى بقية المعادن النفيسة، حيث استفادت من تحسن شهية المخاطرة وتراجع الضغوط المرتبطة بالعوائد الأمريكية.

وارتفعت الفضة بنسبة 3.3% لتصل إلى 65.78 دولاراً للأوقية، فيما صعد البلاتين بنسبة 2.6% إلى 1,708.38 دولار، وقفز البلاديوم بنسبة 4.4% ليسجل 1,267.50 دولاراً للأوقية.

الأسواق تراقب مسار التعافي

يرى محللون أن المكاسب الحالية تعكس مزيجاً من عمليات تغطية المراكز البيعية وعودة المستثمرين لاقتناص الفرص عند المستويات المنخفضة، إلا أن استدامة هذا التعافي ستظل مرتبطة بمسار التطورات السياسية في الشرق الأوسط ونتائج اجتماع الاحتياطي الفيدرالي.

وفي ظل تراجع المخاطر الجيوسياسية مؤقتاً وانخفاض توقعات تشديد السياسة النقدية، يبدو أن الذهب بدأ استعادة جزء من جاذبيته الاستثمارية، مع ترقب الأسواق لعوامل جديدة قد تحدد اتجاهه خلال النصف الثاني من العام.