النفط يتراجع بعد تقليص مكاسبه المبكرة مع انحسار مخاوف الإمدادات رغم تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني

الأسواق تعيد تقييم علاوة المخاطر وسط مؤشرات على استمرار تدفق الطاقة

تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الخميس بعدما تخلت عن مكاسب قوية سجلتها في مستهل الجلسة، مع اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم التأثير الفعلي للتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران على الإمدادات العالمية، في ظل مؤشرات متزايدة على استمرار تدفقات النفط والغاز عبر المنطقة رغم تصاعد التوترات.

وجاء التراجع في وقت وازنت فيه الأسواق بين المخاطر الجيوسياسية المرتفعة في الشرق الأوسط من جهة، والعوامل الأساسية المرتبطة بالعرض والطلب من جهة أخرى، وفي مقدمتها ضعف استهلاك الوقود في الصين واستمرار حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز بوتيرة أقل من المعتاد.

الخامان يتراجعان بعد ارتفاعات تجاوزت دولارين

انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 53 سنتاً، أو 0.6%، لتتداول عند 92.57 دولاراً للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 36 سنتاً، أو 0.4%، إلى 89.67 دولاراً للبرميل.

وكانت الأسعار قد سجلت مكاسب تجاوزت دولارين للبرميل في وقت سابق من الجلسة، مدفوعة بإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التهديدات الأمريكية بشن هجمات إضافية على أهداف إيرانية، قبل أن تتراجع مع تزايد القناعة بأن تدفقات الطاقة لم تتعرض لاضطراب واسع النطاق حتى الآن.

التصعيد العسكري يعزز حالة عدم اليقين

شهدت الأسواق تطورات متسارعة بعدما نفذت الولايات المتحدة ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية، فيما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن مستعدة لمواصلة العمليات العسكرية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

في المقابل، أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، في خطوة اعتبرتها الأسواق تصعيداً خطيراً نظراً للأهمية الاستراتيجية للممر البحري الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

ورغم ذلك، فإن المستثمرين باتوا أكثر حذراً في المبالغة بتسعير المخاطر، مع غياب مؤشرات مؤكدة على توقف كامل لحركة الإمدادات من المنطقة.

المسار الدبلوماسي يحد من اندفاع الأسعار

في موازاة التصعيد العسكري، عززت التقارير التي تحدثت عن تكثيف الاتصالات بين واشنطن وطهران من آمال التوصل إلى تفاهمات أولية قد تمهد لإنهاء المواجهة الحالية.

وأشارت مصادر مطلعة إلى أن الجانبين يناقشان عدداً من الملفات العالقة، من بينها آليات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهو ما اعتبرته الأسواق مؤشراً على استمرار فرص الحل السياسي رغم تبادل الضربات العسكرية.

وساهمت هذه التطورات في تقليص علاوة المخاطر التي دفعت الأسعار للارتفاع في بداية الجلسة.

استمرار تدفق الشحنات يهدئ المخاوف

على الرغم من التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز، أظهرت بيانات الملاحة البحرية استمرار عبور عدد من ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر الممر الحيوي.

كما أكدت تقارير عسكرية أن حركة السفن التجارية لم تتوقف بالكامل، الأمر الذي خفف من المخاوف بشأن حدوث أزمة إمدادات عالمية فورية.

وفي الوقت نفسه، تمكنت شركات طاقة إقليمية من مواصلة تصدير جزء من شحناتها إلى الأسواق الآسيوية، ما عزز الاعتقاد بأن تدفقات الطاقة لا تزال تعمل وإن بوتيرة أقل من المعتاد.

الطلب الصيني الضعيف يكبح الزخم الصعودي

شكلت مؤشرات تباطؤ الطلب في الصين عاملاً رئيسياً في الحد من ارتفاع أسعار النفط، حيث أظهرت البيانات استمرار تراجع استهلاك الوقود وانخفاض واردات الخام لدى أكبر مستورد للنفط في العالم.

ويرى محللون أن ضعف النشاط الاقتصادي الصيني وتراجع الطلب على البنزين والديزل يقللان من تأثير المخاطر الجيوسياسية على الأسعار، ويمنعان السوق من تسجيل ارتفاعات أكبر.

كما أن المخاوف المرتبطة بالنمو العالمي لا تزال تضغط على توقعات الطلب خلال النصف الثاني من العام.

تراجع المخزونات الأمريكية يدعم السوق

في المقابل، تلقت الأسعار دعماً من بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي أظهرت انخفاض مخزونات النفط الخام بمقدار 7.2 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.

وجاء هذا التراجع بأكثر من التقديرات السوقية، مما يعكس استمرار قوة الطلب المحلي وتراجع المعروض المتاح داخل الولايات المتحدة.

كما عززت البيانات القناعة بأن أساسيات السوق لا تزال تميل إلى التشدد، خاصة مع استمرار السحب من المخزونات التجارية والاستراتيجية في عدد من الاقتصادات الكبرى.

انخفاض إنتاج أوبك يعزز مخاوف المعروض

وفي تطور آخر، أظهرت تقديرات السوق تراجع إنتاج منظمة أوبك إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، نتيجة القيود المفروضة على الصادرات الإيرانية وتأثر تدفقات بعض المنتجين الخليجيين بسبب التوترات الأمنية في المنطقة.

ويضيف هذا التراجع ضغوطاً إضافية على جانب المعروض العالمي، في وقت تواجه فيه الأسواق تحديات متزايدة تتعلق بأمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.

ترقب حذر للتطورات المقبلة

تبقى أسعار النفط رهينة لتطورات الملف الأمريكي الإيراني خلال الفترة المقبلة، مع استمرار حالة الترقب بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز ومسار المفاوضات السياسية بين الجانبين.

وفي الوقت الذي توفر فيه المخاطر الجيوسياسية دعماً للأسعار، فإن استمرار تدفق الإمدادات وضعف الطلب الآسيوي يحدان من أي موجة صعود حادة، ما يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي تطورات ميدانية أو دبلوماسية قد تعيد رسم ملامح سوق الطاقة العالمية.