الذهب يلتقط أنفاسه صباح الخميس رغم صعود الدولار وارتفاع عوائد الخزانة

الذهب يتعافى من أدنى مستوى في شهرين مع تراجع رهانات رفع الفائدة في أكتوبر

ارتفعت أسعار الذهب خلال التداولات الأوروبية يوم الخميس، مستفيدة من عودة بعض المشترين إلى السوق بعد الهبوط الحاد الذي دفع المعدن إلى أدنى مستوياته في شهرين، في الوقت الذي حد فيه صعود الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية من نطاق التعافي.

وجاء التحسن في أسعار الذهب بعدما كشف محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر عن انقسام أكبر بين صانعي السياسة بشأن الحاجة إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع الفائدة خلال اجتماع أكتوبر.

في المقابل، ظلت مكاسب الذهب محدودة بفعل ارتفاع عوائد السندات والدولار، إلى جانب صعود أسعار النفط بأكثر من 4% وسط تجدد المخاوف بشأن أمن إمدادات الخام من الشرق الأوسط، وهو ما أعاد مخاطر التضخم إلى واجهة اهتمام الأسواق.

الذهب يستعيد بعض خسائره بعد قاع شهرين

ارتفع الذهب الفوري بنحو 0.8% إلى 4,143.39 دولارًا للأونصة، مقارنة مع سعر افتتاح بلغ 4,110.88 دولارًا، بعدما سجل أدنى مستوى خلال الجلسة عند 4,103.40 دولارًا.

وجاءت المكاسب بعد تراجع المعدن بنحو 1.3% في جلسة الأربعاء، في ثالث انخفاض له خلال أربع جلسات، عندما لامس 4,066.57 دولارًا للأونصة، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس.

ويحاول الذهب الاستقرار بعد موجة بيع تعرض لها في الجلسات الأخيرة، مع إعادة المستثمرين تقييم المسار المحتمل للسياسة النقدية الأمريكية في ظل ارتفاع العوائد واستمرار قوة العملة الأمريكية.

محضر الفيدرالي يخفف الضغط على الذهب

أظهر محضر اجتماع سبتمبر أن غالبية مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي ما زالوا يرون إمكانية رفع أسعار الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام، إلا أن النقاشات عكست تباينًا ملحوظًا حول توقيت الرفع ومدى الحاجة إليه.

وتراجعت بذلك توقعات السوق بشأن اتخاذ خطوة جديدة في اجتماع أكتوبر، في إشارة إلى أن صانعي السياسة قد يفضلون انتظار المزيد من البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ قرار بشأن الخطوة التالية.

وبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـCME Group، ارتفعت احتمالات إبقاء الفائدة دون تغيير في اجتماع أكتوبر إلى 82% من 80%، بينما تراجعت احتمالات رفعها بمقدار 25 نقطة أساس إلى 18% من 20%.

أما بالنسبة للاجتماع التالي، فقد ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 88% من 86%، بينما تراجعت احتمالات الإبقاء عليها دون تغيير إلى 12% من 14%.

وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق لا تزال تتوقع مزيدًا من التشديد النقدي، لكنها أصبحت أقل قناعة بإمكانية تنفيذ الرفع التالي في وقت قريب.

الدولار يواصل الصعود ويحد من مكاسب المعدن

ارتفع مؤشر الدولار بنحو 0.2% يوم الخميس، مواصلًا مكاسبه للجلسة الثانية على التوالي، ليقترب من أعلى مستوياته في نحو عام ونصف.

ويشكل ارتفاع الدولار أحد أبرز العوامل الضاغطة على الذهب، إذ يجعل المعدن المقوم بالعملة الأمريكية أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.

كما يستفيد الدولار من تدفقات الملاذ الآمن وسط تصاعد المخاطر السياسية والجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط، في الوقت الذي لا تزال فيه توقعات أسعار الفائدة الأمريكية عاملًا رئيسيًا في دعم العملة.

ارتفاع العوائد يضع سقفًا لتعافي الذهب

واصلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية ارتفاعها، مع صعود العائد على السندات لأجل 10 سنوات بنحو 1.3%، ليقترب من مستويات قياسية لم يشهدها السوق منذ أكثر من عقدين.

ويزيد ارتفاع العوائد من تكلفة الاحتفاظ بالذهب، الذي لا يوفر دخلًا دوريًا، كما يدعم الدولار، الأمر الذي يجعل تعافي المعدن أكثر صعوبة حتى مع تحسن الطلب عند المستويات المنخفضة.

وتراقب الأسواق في الوقت نفسه ما إذا كان ارتفاع العوائد يعكس قوة الاقتصاد الأمريكي، أم أنه يعكس بصورة متزايدة مخاوف تتعلق بالمالية العامة والائتمان السيادي، وهو تمييز قد يكون حاسمًا بالنسبة لمسار الذهب.

النفط يقفز ويعيد مخاوف التضخم

ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 4% يوم الخميس، متجهة نحو تسجيل أعلى مستوياتها في نحو أسبوعين، وسط تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط.

وتعرضت أسعار الخام لضغوط صعودية مع تجدد التوترات العسكرية بين السعودية والحوثيين، إلى جانب تقارير عن استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز والخليج العربي.

وقد يمثل ارتفاع النفط تحديًا جديدًا للذهب، إذ إن زيادة أسعار الطاقة قد تعيد إشعال الضغوط التضخمية وتدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

والر: المزيد من رفع الفائدة لا يزال مطروحًا

قال كريستوفر والر، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن الاقتصاد قد يحتاج إلى المزيد من رفع أسعار الفائدة، لكنه أشار إلى استعداده للتحلي بالمرونة بشأن وتيرة التشديد النقدي.

وأوضح أن المزيد من الزيادات سيظل مطروحًا إذا جاءت البيانات الاقتصادية متوافقة مع التوقعات، بما يعكس استمرار اعتماد الفيدرالي على البيانات في تحديد خطواته المقبلة.

ويجعل هذا الموقف بيانات التضخم والوظائف والنشاط الاقتصادي القادمة أكثر أهمية بالنسبة للأسواق، خصوصًا في ظل التباين المتزايد بين أعضاء لجنة السوق المفتوحة.

مستوى 4,275 دولارًا مفتاح استعادة الزخم الصاعد

يرى كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث لدى Pepperstone، أن النظرة قصيرة الأجل للذهب لا تزال تواجه تحديات، مشيرًا إلى أن ميزان المخاطر في السوق يميل حاليًا لمصلحة البائعين.

وقال ويستون إن تجاوز الذهب مستوى 4,275 دولارًا للأونصة سيكون إشارة مهمة على تحسن الصورة الفنية وعودة الزخم الصاعد على المدى القصير.

وأضاف أن الذهب قد يستفيد بصورة أكبر إذا بدأ المستثمرون في تفسير ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل باعتباره انعكاسًا للمخاطر المالية والائتمانية السيادية، وليس مجرد نتيجة لقوة الاقتصاد.

وفي هذه الحالة، قد يفقد الارتباط التقليدي بين الذهب والعوائد بعضًا من قوته، ما يسمح للمعدن بالارتفاع حتى مع استمرار العوائد عند مستويات مرتفعة، خصوصًا إذا عاد المستثمرون إلى استخدام الذهب كأداة للتحوط من مخاطر تراجع قيمة العملات.

الأسواق تترقب البيانات الأمريكية التالية

يبقى مسار الذهب في المدى القريب رهينًا بتطورات ثلاثة محاور رئيسية: الدولار الأمريكي، وعوائد سندات الخزانة، وتوقعات أسعار الفائدة.

وفي حين يوفر هبوط الذهب إلى أدنى مستوى في شهرين أرضية لعمليات شراء انتقائية، فإن استمرار قوة الدولار والعوائد قد يبقي التعافي محدودًا ما لم تتغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية بصورة أكثر وضوحًا.

وبالتالي، ستتجه أنظار المستثمرين إلى البيانات الاقتصادية الأمريكية المقبلة وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بحثًا عن إشارات تحدد ما إذا كان البنك المركزي سيمضي قدمًا في رفع الفائدة قبل نهاية العام، أو سيمنح الأسواق فترة أطول لتقييم تأثير التشديد النقدي السابق