النفط يتكبد خسائر حادة ويتراجع لأدنى مستوياته في شهرين مع تصاعد رهانات التسوية بين الولايات المتحدة وإيران

انفراجة دبلوماسية محتملة تضغط على أسعار الخام وتقلص علاوة المخاطر الجيوسياسية

هبطت أسعار النفط بأكثر من 3% خلال تعاملات الجمعة، لتواصل موجة التراجع التي بدأت في الجلسات الأخيرة، وسط تنامي التوقعات بقرب التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت الأسعار طوال الأشهر الماضية.

وجاءت الضغوط البيعية بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء خطط كانت تستهدف تنفيذ ضربات عسكرية جديدة ضد إيران، في خطوة عززت ثقة الأسواق بإمكانية انتقال الأزمة من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات.

برنت وغرب تكساس عند أدنى مستويات منذ أبريل

تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 3.13 دولارات، أو ما يعادل 3.46%، لتسجل 87.25 دولاراً للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 3.14 دولارات، أو بنسبة 3.58%، إلى 84.57 دولاراً للبرميل.

وبذلك لامس الخامان أدنى مستوياتهما منذ 17 أبريل الماضي، مع تسارع عمليات البيع المدفوعة بانحسار المخاوف من تعطل الإمدادات العالمية على المدى القريب.

الأسواق تراهن على اتفاق مرتقب يعيد الاستقرار للمنطقة

ازدادت موجة الهبوط بعد تقارير أفادت بإمكانية توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران خلال الأيام القليلة المقبلة، في إطار مساعٍ لإنهاء الحرب وإرساء أسس اتفاق سياسي طويل الأمد.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المفاوضات الجارية أحرزت تقدماً ملموساً، مع تركيز المناقشات على الملفات النووية والاقتصادية، بينما تم استبعاد بعض القضايا الخلافية من المرحلة الحالية بهدف تسريع التوصل إلى تفاهم أولي.

ويرى المستثمرون أن نجاح هذه الجهود قد يمهد الطريق لعودة تدريجية للاستقرار في منطقة الخليج، بما ينعكس إيجاباً على حركة التجارة والطاقة العالمية.

مضيق هرمز يفقد تأثيره على معنويات السوق

على الرغم من استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، فإن تأثيرها على الأسواق بدأ يتراجع مع ظهور مؤشرات على استمرار تدفق الإمدادات.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه إيران إغلاق المضيق وهددت باستهداف السفن العابرة، أكدت تقارير ملاحية وعسكرية استمرار حركة عدد من السفن التجارية وناقلات الطاقة عبر الممر الاستراتيجي.

ويعكس ذلك قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن خطر الإغلاق الكامل للمضيق بات أقل حدة مما كان يُخشى سابقاً، خاصة مع اقتراب الأطراف من تفاهمات سياسية قد تنهي الأزمة.

انخفاض المخزونات يحد من الضغوط على الأسعار

ورغم التراجع القوي للأسعار، لا تزال بعض العوامل الأساسية تقدم دعماً نسبياً للسوق، وفي مقدمتها مستويات المخزونات النفطية المنخفضة عالمياً.

ويؤكد محللون أن المخزونات التجارية والاستراتيجية في عدد من الدول المستهلكة لا تزال دون متوسطاتها التاريخية، ما يعني أن أي عودة للإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية قد تحتاج إلى فترة زمنية قبل أن تنعكس بشكل كامل على توازن السوق.

كما أن استمرار السحب من المخزونات خلال الأشهر الماضية أسهم في الحد من تأثير التراجعات السعرية الأخيرة.

توقعات متباينة لمستقبل السوق

في الوقت الذي تتزايد فيه الرهانات على عودة الإمدادات، حذرت مؤسسات مالية من أن السوق قد تواجه ضغوطاً معاكسة خلال النصف الثاني من العام إذا استمرت مستويات المخزون عند معدلاتها المتدنية.

ويرى بعض المحللين أن أي تأخير في استعادة تدفقات النفط بشكل كامل، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الصيف، قد يعيد الأسعار إلى مسار صعودي قوي خلال الأشهر المقبلة.

«أوبك» تخفض توقعات نمو الطلب العالمي

وعلى صعيد أساسيات السوق، ألقت توقعات الطلب العالمي بظلالها على حركة الأسعار، بعدما خفضت منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” تقديراتها لنمو الطلب العالمي خلال عام 2026 للمرة الثانية على التوالي.

ويعكس هذا التعديل استمرار المخاوف من تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي وضعف استهلاك الطاقة في بعض الأسواق الرئيسية، رغم احتفاظ المنظمة بنظرة أكثر تفاؤلاً للطلب خلال عام 2027.

النفط بين ضغوط السياسة ودعم الأساسيات

تعيش أسواق النفط حالياً مرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر، مع انتقال التركيز من احتمالات التصعيد العسكري إلى فرص التوصل لتسوية سياسية شاملة.

وبينما ساهمت مؤشرات التهدئة في دفع الأسعار إلى أدنى مستوياتها في شهرين، فإن استمرار انخفاض المخزونات العالمية وتباطؤ عودة الإمدادات بشكل كامل قد يمنع حدوث هبوط حاد ومستدام.

وفي ظل هذه المعطيات، سيظل مسار أسعار النفط خلال الفترة المقبلة رهناً بنتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ومدى نجاحها في تحويل الهدنة السياسية إلى اتفاق دائم يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة.