الذهب يواصل الصعود مع تراجع أسعار النفط العالمية وانحسار ضغوط التضخم

الذهب يواصل التعافي من قاع 6 أسابيع مع انحسار قوة الدولار وتراجع عوائد السندات

واصلت أسعار الذهب مكاسبها خلال التعاملات الأوروبية يوم الجمعة، متجهة لتحقيق ثاني ارتفاع يومي على التوالي بعد هبوطها إلى أدنى مستوى في نحو ستة أسابيع، إذ عاد المستثمرون إلى شراء المعدن من مستويات منخفضة بالتزامن مع تراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية.

ويأتي التعافي في الوقت الذي تعيد فيه الأسواق تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية بعد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، بينما وفر تراجع أسعار النفط بعض الراحة للأسواق من مخاطر عودة الضغوط التضخمية.

الذهب يتعافى بعد موجة الهبوط

ارتفع الذهب الفوري 1.1% إلى 4,387.14 دولار للأوقية، مسجلاً أعلى مستوى منذ 11 سبتمبر، بعدما افتتح عند 4,341.23 دولار ولامس أدنى مستوى خلال الجلسة عند 4,334.47 دولار.

وجاءت المكاسب بعد ارتفاع الذهب 1.8% عند تسوية الخميس، في أول صعود له خلال أربع جلسات، عقب تراجعه في الجلسة السابقة إلى 4,235.30 دولار، وهو أدنى مستوى في نحو ستة أسابيع.

وتعكس الحركة الأخيرة عودة الطلب على المعدن بعد موجة البيع، إلا أن استمرار التعافي سيظل رهناً بتطورات الدولار والعوائد، في ظل انتقال اهتمام المستثمرين من قرار الفيدرالي نفسه إلى مسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

الدولار يتراجع ويمنح الذهب متنفساً

انخفض مؤشر الدولار بنحو 0.1% يوم الجمعة، مواصلاً تراجعه للجلسة الثانية، ومتراجعاً عن أعلى مستوى له في سبعة أسابيع.

ويأتي ضعف الدولار مع تراجع العوائد الأمريكية وقيام المستثمرين بجني الأرباح بعد الصعود الأخير، بينما يترقب المتعاملون مزيداً من البيانات الاقتصادية للحصول على إشارات بشأن اتجاه أسعار الفائدة.

ويمثل تراجع العملة الأمريكية دعماً مباشراً للذهب، إذ يخفض تكلفة المعدن المقوم بالدولار على المستثمرين الذين يحملون عملات أخرى.

عوائد الخزانة تبتعد عن قمة 19 عاماً

واصل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات انخفاضه للجلسة الثانية، متراجعاً بنحو 0.2% ومبتعداً عن أعلى مستوياته في 19 عاماً.

وتراقب سوق الذهب حركة العوائد عن كثب، إذ يؤدي ارتفاعها إلى زيادة جاذبية الأصول المدرة للدخل، بينما يمنح تراجعها المعدن مساحة أكبر للتعافي من خلال خفض تكلفة الفرصة البديلة لحيازته.

النفط يخفف ضغوط التضخم

في سوق الطاقة، انخفضت أسعار النفط بنحو 0.5%، مواصلة خسائرها للجلسة الثالثة، ومتراجعة من أعلى مستوياتها في أربعة أشهر.

وتراجعت علاوة المخاطر في سوق الخام بعد تأكيد السعودية عزمها إعادة تشغيل خط أنابيب الشرق–الغرب في أسرع وقت ممكن، عقب تعرضه لهجوم من جماعة الحوثيين.

كما ساعدت قدرة المملكة على إيجاد طرق بديلة لتسليم بعض شحنات الخام إلى المشترين الآسيويين عبر سلطنة عُمان في تهدئة مخاوف السوق بشأن حدوث نقص حاد في الإمدادات.

وقالت ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة لرويترز إن الصين طلبت من طهران المساعدة في احتواء هجمات الحوثيين على السعودية، في تطور قد يساهم في تخفيف المخاطر الجيوسياسية المحيطة بتدفقات النفط.

الفيدرالي يرفع الفائدة ويعيد تسعير المسار المقبل

رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة يوم الأربعاء بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، في أول زيادة منذ يوليو 2023.

وجاء القرار بالإجماع، فيما أكد البنك المركزي أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن البيانات الأخيرة لم تقدم أدلة كافية على تحسن الاتجاهات الأساسية للأسعار.

وشدد رئيس الفيدرالي كيفن وارش على أن استقرار الأسعار يظل الهدف الرئيسي للسياسة النقدية، مؤكداً أن رفع الفائدة يمثل خطوة باتجاه إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2%.

لكن الأسواق لم تتعامل مع القرار باعتباره نقطة نهاية لمسار التشديد؛ بل تحولت سريعاً إلى تقييم ما إذا كان البنك المركزي سيواصل رفع تكاليف الاقتراض خلال الاجتماعات المقبلة.

توقعات الفائدة أصبحت أكثر تشدداً

رفع الفيدرالي توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي في 2026 إلى 2.3% من 2.2%، كما رفع توقعاته للتضخم إلى 3.7% من 3.6%.

وفي الوقت نفسه، رفع توقعاته لسعر الفائدة المستهدف إلى 4.25% بنهاية 2026، مقابل 3.75% في توقعات يونيو، وإلى 4.25% في 2027 من 3.50%، وإلى 4.0% في 2028 من 3.25%.

وتعكس هذه التعديلات تحولاً في تسعير مسار الفائدة، بما يبقي العوائد والدولار عاملين حاسمين بالنسبة لاتجاه الذهب.

الأسواق ترفع رهانات زيادة أكتوبر

أعادت الأسواق تسعير احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر بعد قرار الأربعاء.

ووفق أداة FedWatch التابعة لمجموعة CME، تراجعت احتمالات الإبقاء على الفائدة دون تغيير إلى 47% من 52%، بينما ارتفعت احتمالات رفعها 25 نقطة أساس إلى 53% من 48%.

وبالنسبة لاجتماع ديسمبر، تسعر الأسواق احتمالاً يبلغ 90% لرفع الفائدة 25 نقطة أساس، مقابل 10% لاحتمال تثبيتها.

ومن هنا، ستصبح البيانات الاقتصادية الأمريكية وتصريحات مسؤولي الفيدرالي المحرك الرئيسي لتوقعات السوق، خصوصاً أن أي مفاجأة في التضخم أو سوق العمل قد تعيد تحريك الدولار والعوائد وبالتالي أسعار الذهب.

الذهب يختبر قدرته على مواصلة الارتداد

ويعكس صعود الذهب الحالي مزيجاً من عمليات الشراء من مستويات منخفضة وتراجع الدولار والعوائد، لكنه لا يزال يواجه رياحاً معاكسة من احتمال استمرار السياسة النقدية المتشددة.

وأبقى بنك جولدمان ساكس على توقعه لسعر الذهب عند 5,400 دولار للأوقية بنهاية 2027، مع الإشارة إلى أن تشديد السياسة النقدية قد يبطئ وتيرة صعود المعدن، دون أن يعني بالضرورة توقف الاتجاه الصاعد.

وبذلك، تنتقل بوصلة سوق الذهب من رد فعلها على قرار الفيدرالي إلى اختبار قدرة الأسعار على الحفاظ على التعافي في مواجهة مسار فائدة أكثر تشدداً مما كانت الأسواق تتوقعه