الذهب يعزز مكاسبه مع تراجع الدولار والنفط وسط تصاعد الرهانات على اتفاق أمريكي ـ إيراني

انحسار المخاطر الجيوسياسية يدعم تعافي المعدن النفيس من أدنى مستوياته في 2026

واصلت أسعار الذهب ارتفاعها في الأسواق الأوروبية خلال تعاملات الجمعة، مسجلة مكاسب للجلسة الثانية على التوالي، مع استمرار عمليات الشراء من المستويات المتدنية التي سجلها المعدن النفيس مؤخراً، وذلك في ظل تراجع الدولار الأمريكي وهبوط أسعار النفط، بالتزامن مع تنامي التفاؤل بشأن اقتراب التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران ينهي أشهرًا من التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

ويأتي هذا التعافي بعدما تعرض الذهب لضغوط بيعية قوية خلال الأيام الماضية دفعت الأسعار إلى أدنى مستوياتها منذ بداية العام، قبل أن تجذب تلك المستويات طلباً استثمارياً جديداً مدعوماً بتحسن شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.

ارتداد قوي من القيعان السنوية

ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.8% ليصل إلى 4,246.39 دولاراً للأوقية، بعدما افتتح التداولات عند 4,212.31 دولاراً، وسجل أدنى مستوى يومي عند 4,170.33 دولاراً للأوقية.

وكان المعدن الأصفر قد أنهى تعاملات الخميس على ارتفاع قوي تجاوز 3%، مرتداً من أدنى مستوى له منذ نوفمبر 2025 عند 4,023.86 دولاراً للأوقية، في إشارة إلى عودة الطلب الاستثماري بعد موجة هبوط حادة استمرت عدة جلسات متتالية.

الدولار يتراجع مع انحسار الطلب على الملاذات الآمنة

واصل مؤشر الدولار الأمريكي خسائره لليوم الثاني على التوالي، متراجعاً بنحو 0.1% بعدما فشل في الحفاظ على مكاسبه الأخيرة التي دفعته إلى أعلى مستوى في شهرين.

ويعكس تراجع العملة الأمريكية تراجع الإقبال على الملاذات التقليدية، مع تحسن التوقعات بشأن الملف الإيراني وتراجع احتمالات اتساع الصراع في الشرق الأوسط.

كما عزز ضعف الدولار من جاذبية الذهب لحائزي العملات الأخرى، وهو ما وفر دعماً إضافياً للأسعار وساهم في توسيع مكاسب المعدن النفيس.

هبوط النفط يخفف مخاوف التضخم

في الوقت نفسه، واصلت أسعار النفط العالمية تراجعها الحاد، لتنخفض بنحو 3% وتسجل أدنى مستوياتها في شهرين، مع تزايد التوقعات بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل واستئناف تدفقات النفط بصورة طبيعية إلى الأسواق العالمية.

ويُنظر إلى انخفاض أسعار الطاقة باعتباره عاملاً إيجابياً للذهب، إذ يساهم في تهدئة المخاوف المتعلقة بتسارع التضخم العالمي ويحد من الضغوط التي كانت تدفع البنوك المركزية نحو الإبقاء على سياسات نقدية متشددة.

وتترجم الأسواق هذا التطور على أنه عامل قد يمنح صناع السياسة النقدية مرونة أكبر في التعامل مع أسعار الفائدة خلال الفترات المقبلة.

اتفاق السلام المحتمل يعيد تشكيل المشهد الاستثماري

ازدادت حالة التفاؤل في الأسواق عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق الضربات الجوية التي كانت مقررة ضد إيران، مؤكداً أن المفاوضات الجارية أحرزت تقدماً ملموساً وأن الأطراف المعنية باتت أقرب إلى التوصل لاتفاق نهائي.

وأشار ترامب إلى وجود توافق مبدئي حول البنود الرئيسية للاتفاق بمشاركة عدد من القوى الإقليمية والدولية، فيما أكدت مصادر دبلوماسية استمرار المشاورات على أعلى المستويات السياسية.

ورغم تأكيد طهران أن الاتفاق لم يُنجز بصورة نهائية بعد، فإن مجرد اقتراب التوصل إلى تسوية سياسية ساهم في تهدئة الأسواق وتقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية التي سيطرت على التداولات خلال الأشهر الأخيرة.

تراجع رهانات رفع الفائدة الأمريكية

انعكست التطورات الأخيرة بشكل مباشر على توقعات السياسة النقدية الأمريكية، حيث خفض المستثمرون رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وأظهرت مؤشرات السوق تراجع احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر إلى نحو 55% مقارنة بمستويات أعلى خلال الأيام الماضية، بينما ارتفعت توقعات خفض الفائدة بشكل محدود.

ويعد هذا التحول إيجابياً بالنسبة للذهب، نظراً للعلاقة العكسية بين المعدن النفيس وأسعار الفائدة، حيث يؤدي انخفاض العوائد المتوقعة إلى تعزيز جاذبية الأصول غير المدرة للفائدة.

الأسواق تترقب الإشارات القادمة من الاحتياطي الفيدرالي

رغم موجة التعافي الحالية، لا يزال المستثمرون يتابعون عن كثب أي إشارات جديدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل السياسة النقدية.

فأي مؤشرات على استمرار الضغوط التضخمية أو الحاجة إلى تشديد إضافي قد تحد من مكاسب الذهب، بينما قد يمنح تراجع الضغوط السعرية والبقاء على نهج أكثر مرونة دعماً إضافياً للمعدن النفيس خلال النصف الثاني من العام.

هل ينجح الذهب في استعادة الاتجاه الصاعد؟

يرى محللون أن الذهب دخل مرحلة إعادة تموضع بعد موجة الهبوط الأخيرة، مستفيداً من تحسن البيئة الاستثمارية وتراجع المخاوف المرتبطة بالطاقة والتضخم.

ومع استمرار التحسن في الأجواء السياسية وتراجع الدولار والنفط، قد يمتلك المعدن النفيس فرصة لمواصلة التعافي على المدى القصير، إلا أن المسار المستقبلي سيظل مرهوناً بنتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتوجهات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبقى أسواق الذهب أمام مرحلة حساسة قد تحدد ملامح الاتجاه الرئيسي للأسعار خلال النصف الثاني من عام 2026.