المعدن النفيس يتراجع خلال تداولات أمس الأربعاء مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع توقعات استمرار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة

الذهب يتراجع مع تحول الأسواق نحو سيناريو الفائدة المرتفعة بعد قفزة النفط وتصاعد التوترات الجيوسياسية

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الأربعاء، مع إعادة المستثمرين تقييم توقعات السياسة النقدية الأمريكية في أعقاب الارتفاع الحاد لأسعار النفط، إذ عزز التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران المخاوف من موجة تضخمية جديدة قد تدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.9% إلى 4,068.09 دولارًا للأوقية، بعدما سجل في وقت سابق أدنى مستوياته منذ 2 يوليو، فيما هبطت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم أغسطس بنسبة 1.5% إلى 4,095.30 دولارًا للأوقية.

وجاء التراجع رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، في إشارة إلى أن الأسواق باتت تركز بصورة أكبر على انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة على السياسة النقدية، بدلاً من الطلب التقليدي على الذهب كملاذ آمن.

ارتفاع النفط يغير معادلة الذهب

تحولت الأنظار في الأسواق إلى الارتفاع الحاد في أسعار النفط، التي قفزت بأكثر من 5% بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران، في خطوة أعادت المخاوف بشأن استقرار إمدادات الخام من الشرق الأوسط.

وأدى صعود النفط إلى تعزيز التوقعات باستمرار الضغوط التضخمية، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة، وهو ما انعكس سلبًا على الذهب الذي يميل إلى الأداء الضعيف في بيئة تتسم بارتفاع العائدات.

ويُنظر إلى المعدن النفيس تقليديًا باعتباره وسيلة للتحوط من التضخم، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد من تكلفة الاحتفاظ به، كونه لا يوفر عائدًا لحائزيه، وهو ما يقلص جاذبيته مقارنة بالأصول المدرة للدخل.

التصعيد العسكري يعزز توقعات التشديد النقدي

وجاءت قفزة النفط بعد إعلان إيران استهداف مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت، ردًا على الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت مواقع داخل إيران عقب الهجمات على ناقلات نفط في مضيق هرمز.

كما عزز إعلان ترامب انتهاء الاتفاق المؤقت مع طهران المخاوف من اتساع رقعة الصراع، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير مخاطر التضخم العالمية، مع توقعات بأن يؤدي استمرار اضطراب أسواق الطاقة إلى إبطاء وتيرة تراجع الأسعار.

وقال ديفيد ميجر، مدير تداول المعادن لدى High Ridge Futures، إن الأسواق تنظر إلى التصعيد الحالي باعتباره عاملًا داعمًا للتضخم أكثر من كونه محفزًا للطلب على الملاذات الآمنة، وهو ما يفسر الضغوط التي يتعرض لها الذهب رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

محضر الفيدرالي لم يغير قناعة المستثمرين

ولم يكن لمحضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخير تأثير يذكر على حركة الذهب، إذ جاء متوافقًا إلى حد كبير مع توقعات الأسواق.

وأظهر المحضر استمرار الانقسام بين مسؤولي البنك المركزي الأمريكي بشأن الخطوة التالية للسياسة النقدية، حيث رأى بعض الأعضاء أن تباطؤ التضخم قد يسمح بخفض الفائدة في وقت لاحق، بينما حذر آخرون من أن الضغوط السعرية لا تزال مرتفعة بما يستدعي الإبقاء على السياسة النقدية في نطاق مقيد.

ورغم هذا الانقسام، لم يجد المستثمرون في المحضر ما يكفي لتغيير قناعتهم بأن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشددًا خلال الأشهر المقبلة.

الأسواق تعزز رهانات رفع الفائدة

وتعكس تحركات أسواق العقود الآجلة هذا التحول، إذ ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، وفقًا لأداة FedWatch التابعة لمجموعة CME، مع تراجع الرهانات على تثبيت السياسة النقدية.

ويرى المستثمرون أن استمرار ارتفاع النفط قد يؤخر عودة التضخم إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يمنح صناع السياسة النقدية مساحة للإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

بنك أوف أمريكا: ضغوط قصيرة الأجل… وآفاق صعودية لاحقًا

وفي مذكرة بحثية، خفض بنك أوف أمريكا متوسط توقعاته لسعر الذهب خلال عام 2026 إلى 4,360 دولارًا للأوقية، مقارنة بتقديراته السابقة، مستندًا إلى توقعات باستمرار تشدد السياسة النقدية الأمريكية.

لكن البنك أشار إلى أن النظرة طويلة الأجل للمعدن النفيس لا تزال إيجابية، متوقعًا أن يستعيد الذهب زخمه بمجرد انتهاء دورة رفع أسعار الفائدة، مع إمكانية بلوغه مستوى 5,000 دولار للأوقية في المراحل اللاحقة من دورة التيسير النقدي.

ضغوط تمتد إلى بقية المعادن النفيسة

وامتدت موجة البيع إلى بقية المعادن النفيسة، حيث انخفضت الفضة بنسبة 2.4%، بينما تراجع البلاتين بأكثر من 3%، وهبط البلاديوم بنحو 4%، مع استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، في وقت فضّل فيه المستثمرون تقليص انكشافهم على الأصول الحساسة لتحركات أسعار الفائدة.

وتشير تحركات السوق إلى أن مسار الذهب في الأجل القريب سيظل رهينًا بتوازن دقيق بين تصاعد المخاطر الجيوسياسية، التي تدعم الطلب على الملاذات الآمنة، وبين تأثير ارتفاع أسعار النفط على توقعات التضخم والسياسة النقدية، وهو العامل الذي يبدو أنه يفرض كلمته على الأسواق في الوقت الحالي