الخام يرتفع بقوة إلى أعلى مستوياته في أسبوعين مع عودة المخاوف الجيوسياسية إثر تصريحات ترامب.

النفط يرتفع بأكثر من 5% مع انهيار مسار التهدئة بين واشنطن وطهران وعودة علاوة المخاطر إلى الأسواق

قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في أسبوعين خلال تعاملات الأربعاء، بعدما أعادت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية، إثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، في تطور عزز احتمالات اتساع المواجهة العسكرية وهدد بإعادة اضطرابات الشحن في مضيق هرمز.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 5.76% إلى 78.43 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 5.55% إلى 74.35 دولارًا للبرميل، بعدما كانت الأسعار قد سجلت بالفعل مكاسب تقارب 3% في الجلسة السابقة.

الأسواق تعيد تسعير سيناريو تعطل الإمدادات

جاءت موجة الصعود بعدما أعلن ترامب أن مذكرة التفاهم التي شكلت أساس التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران “انتهت”، مؤكدًا أن إدارته لم تعد ترى مجالًا للاستمرار في المسار الدبلوماسي مع طهران.

ويمثل هذا الإعلان تحولًا في تقييم المستثمرين للمخاطر، إذ أعاد إلى الواجهة احتمال تعطل تدفقات النفط من الخليج، بعد فترة من الرهان على احتواء التوترات واستئناف حركة الإمدادات بشكل طبيعي.

وزادت هذه المخاوف بعد قرار واشنطن إلغاء الترخيص الذي كان يسمح لإيران بإنتاج وبيع النفط، وهو ما عزز التوقعات بانخفاض المعروض من أحد المنتجين الرئيسيين في المنطقة.

مضيق هرمز يعود إلى قلب المشهد

وجاءت المكاسب أيضًا مدفوعة بتصاعد المخاوف الأمنية في مضيق هرمز، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن ضرباتها الجوية الأخيرة جاءت ردًا على هجمات إيرانية استهدفت ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها الممر البحري.

وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات استهدفت منشآت عسكرية أمريكية في البحرين والكويت، في مؤشر على اتساع رقعة المواجهة خارج الأراضي الإيرانية.

ويحظى مضيق هرمز بأهمية استثنائية لأسواق الطاقة، إذ يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلًا بإعادة تسعير المخاطر في السوق العالمية.

هيكل السوق يعكس تنامي المخاوف

ولم تقتصر مؤشرات القلق على ارتفاع الأسعار الفورية، بل امتدت إلى هيكل سوق العقود الآجلة، حيث اتسع الفارق بين عقود برنت الفورية والعقود المستحقة بعد ثلاثة أشهر إلى أعلى مستوياته منذ منتصف يونيو.

وعادت السوق إلى حالة الباكورديشن (Backwardation)، التي تتجاوز فيها أسعار التسليم الفوري أسعار العقود الآجلة، في إشارة إلى تنامي المخاوف بشأن شح الإمدادات على المدى القصير وارتفاع الطلب على الخام المتاح فورًا.

ويعد هذا التحول أحد أبرز المؤشرات التي يراقبها المتعاملون لقياس مستوى الضغوط الفعلية على الإمدادات، إذ يعكس استعداد المشترين لدفع علاوة إضافية مقابل الحصول على النفط دون انتظار.

الناقلات تغير مساراتها مع تصاعد المخاطر

وفي تطور يعكس تزايد المخاوف الأمنية، أظهرت بيانات تتبع السفن أن عددًا من ناقلات النفط والغاز عدلت مساراتها أو أرجأت عبورها لمضيق هرمز، مع تزايد الهجمات على السفن التجارية وارتفاع تكاليف التأمين البحري.

ويرى محللون أن استمرار هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى تباطؤ تدفقات الخام من الخليج حتى في حال عدم إغلاق المضيق بالكامل، وهو ما يكفي لدعم الأسعار خلال الأجل القريب.

وقال أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك، إن السوق تعيد بناء علاوة المخاطر الجيوسياسية مع تزايد احتمالات تعرض حركة الشحن لمزيد من الاضطرابات، مؤكدًا أن المستثمرين أصبحوا أقل اقتناعًا بقدرة الطرفين على احتواء الأزمة سريعًا.

توقعات طويلة الأجل لا تزال تميل إلى التراجع

ورغم الارتفاع الحاد للأسعار، لا تزال بعض المؤسسات المالية ترى أن تأثير التصعيد قد يكون مؤقتًا إذا لم يتحول إلى تعطيل واسع ومستدام للإمدادات.

وفي هذا السياق، خفض بنك HSBC توقعاته لمتوسط سعر خام برنت خلال عام 2026 إلى 80 دولارًا للبرميل من 95 دولارًا سابقًا، استنادًا إلى توقعاته باستعادة صادرات الخليج تدريجيًا وعودة التوازن إلى السوق مع انحسار التوترات.

وفي المقابل، قد يوفر تحسن الإمدادات الآسيوية بعض الدعم للأسواق، بعدما خففت الصين القيود على صادرات الوقود المكرر، وسمحت لإحدى شركات التكرير الخاصة باستئناف الشحنات بعد توقف استمر أربعة أشهر.

التركيز يتحول إلى المخاطر الجيوسياسية

في الوقت الحالي، تبدو تحركات النفط منفصلة إلى حد كبير عن العوامل التقليدية المرتبطة بالعرض والطلب، إذ أصبحت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط هي المحرك الرئيسي للأسعار. وبينما يراقب المستثمرون أي مؤشرات على اتساع نطاق المواجهة بين واشنطن وطهران، يبقى مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه سوق النفط خلال المرحلة المقبلة