المعدن الأصفر يتراجع بقوة مع تنامي التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة

الذهب يتخلى عن مستوى 4,100 دولار مع صعود الدولار وتنامي رهانات التشديد النقدي الأمريكي

تعرضت أسعار الذهب لضغوط بيعية قوية خلال تعاملات الثلاثاء بالسوق الأوروبية، لتتراجع بأكثر من 2% وتلامس أدنى مستوياتها في أسبوعين، مع استمرار صعود الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته في أكثر من عام، في ظل تزايد قناعة الأسواق بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً قبل نهاية العام.

ويأتي هذا الهبوط بعدما فشل المعدن النفيس في الحفاظ على مكاسبه المسجلة في الجلسة السابقة، وسط تحوّل اهتمام المستثمرين نحو قوة العملة الأمريكية وارتفاع العوائد، الأمر الذي حدّ من جاذبية الذهب كأصل استثماري لا يدر عائداً.

هبوط حاد يعمق خسائر الذهب

انخفضت أسعار الذهب الفورية بنسبة 2.4% لتسجل 4,090.91 دولاراً للأوقية، وهو أدنى مستوى منذ 11 يونيو الجاري، مقارنة بمستوى افتتاح التداولات عند 4,191.75 دولاراً، فيما بلغ أعلى مستوى للجلسة 4,198.49 دولاراً للأوقية.

ويعني هذا التراجع فقدان الذهب لمستوى 4,100 دولار النفسي المهم، في إشارة إلى تصاعد الضغوط البيعية على المدى القصير.

وكان المعدن النفيس قد أنهى تعاملات الاثنين مرتفعاً بنسبة 1.9%، محققاً أول مكسب يومي خلال أربعة أيام، مدعوماً بانخفاض أسعار النفط العالمية وعمليات شراء فنية عقب موجة من الخسائر المتتالية.

الدولار يواصل الهيمنة على الأسواق

شكلت قوة الدولار الأمريكي العامل الأكثر تأثيراً على حركة الذهب خلال تعاملات اليوم، بعدما ارتفع مؤشر العملة الأمريكية بنسبة 0.2% مسجلاً 101.19 نقطة، وهو أعلى مستوى في 13 شهراً.

ويستمد الدولار زخمه من التحول المتشدد في توقعات السياسة النقدية الأمريكية، حيث يتزايد إقبال المستثمرين على العملة الأمريكية باعتبارها المستفيد الأكبر من بيئة أسعار الفائدة المرتفعة.

ويؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، ما يضعف الطلب العالمي على المعدن النفيس ويضغط على أسعاره.

الفيدرالي يعزز توقعات رفع الفائدة

لا تزال الأسواق تتفاعل مع نتائج الاجتماع الأخير للاحتياطي الفيدرالي، والذي حمل رسائل أكثر تشدداً تجاه التضخم مقارنة بالتوقعات السابقة.

وقد عززت تصريحات رئيس البنك المركزي الأمريكي كيفن وارش، إلى جانب التعديلات التي طرأت على بيان السياسة النقدية، الرهانات على إمكانية تنفيذ زيادة جديدة في أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وتشير تسعيرات الأسواق حالياً إلى ارتفاع احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام، في ظل استمرار المخاوف من بقاء الضغوط التضخمية عند مستويات مرتفعة.

وتعد هذه البيئة من أكثر العوامل السلبية بالنسبة للذهب، نظراً لأنها تزيد من جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنة بالمعدن النفيس.

انفراج دبلوماسي يقلص الطلب على الملاذ الآمن

في الوقت نفسه، ساهم التقدم المحرز في المفاوضات الأمريكية الإيرانية في تقليص الطلب على الذهب كملاذ آمن.

فقد بدأت هذا الأسبوع جولات التفاوض الفنية في سويسرا، حيث تركز المناقشات على ملفات العقوبات الاقتصادية والبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

كما عززت الخطوات المتبادلة بين الجانبين، بما في ذلك الترخيص الأمريكي المؤقت لصادرات النفط الإيرانية، الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الأشهر المقبلة.

وأدى هذا التطور إلى انحسار جزء من المخاطر الجيوسياسية التي كانت توفر دعماً قوياً للذهب خلال الفترة الماضية.

الأسواق تترقب بيانات حاسمة

يتحول اهتمام المستثمرين حالياً نحو البيانات الاقتصادية الأمريكية المرتقبة هذا الأسبوع، والتي قد توفر مؤشرات أكثر وضوحاً حول اتجاه التضخم وقوة الاقتصاد الأمريكي.

كما تتابع الأسواق عن كثب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بحثاً عن أي إشارات جديدة بشأن توقيت وحجم التحركات المقبلة في أسعار الفائدة.

وتُعد هذه البيانات عاملاً محورياً في إعادة تشكيل توقعات الأسواق، سواء فيما يتعلق بالدولار أو الذهب أو عوائد السندات الأمريكية.

رؤية الأسواق لأداء الذهب

قال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى “كيه سي إم تريد”، إن تراجع أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة وفر دعماً محدوداً للذهب، إلا أن هذا التأثير الإيجابي تلاشى أمام الارتفاع المستمر للدولار الأمريكي.

وأضاف أن قوة العملة الأمريكية، المدعومة بتزايد احتمالات رفع الفائدة، ما زالت تمثل العقبة الرئيسية أمام أي محاولة لتعافي الذهب على المدى القصير.

نظرة مستقبلية

يواجه الذهب حالياً بيئة استثمارية أكثر تعقيداً، حيث تتراجع جاذبية الملاذات الآمنة مع تحسن الأوضاع الجيوسياسية، بينما تزداد الضغوط الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع توقعات الفائدة الأمريكية.

وفي ظل هذه المعطيات، ستظل تحركات المعدن النفيس مرتبطة بشكل وثيق بالبيانات الاقتصادية الأمريكية المقبلة ومسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، مع ترجيح استمرار التقلبات المرتفعة في الأسواق خلال الفترة القادمة