الذهب يهبط إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر مع تصاعد رهانات الفائدة وترقب بيانات التضخم الأمريكية

عمّقت أسعار الذهب خسائرها خلال تعاملات الأربعاء، لتواصل تراجعها للجلسة الرابعة على التوالي وتسجل أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، في ظل موجة بيع واسعة النطاق اجتاحت أسواق المعادن النفيسة، بينما يترقب المستثمرون صدور بيانات التضخم الأمريكية لشهر مايو، والتي قد تعيد رسم توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المتبقية من العام.

ويعكس الأداء الحالي للذهب تراجع الطلب على الأصول الدفاعية، بالتزامن مع تنامي التوقعات باستمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يقلص جاذبية المعدن الذي لا يدر عائداً.

أدنى مستوى منذ أواخر مارس

تراجع الذهب الفوري بنسبة 2.3% إلى 4,161.56 دولاراً للأوقية، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 23 مارس الماضي، بعدما افتتح التداولات عند 4,260.57 دولاراً للأوقية.

وكان المعدن النفيس قد أنهى جلسة الثلاثاء منخفضاً بنسبة 1.6%، ليسجل ثالث خسارة يومية متتالية، وسط استمرار عمليات التسييل وجني الأرباح من المراكز الاستثمارية طويلة الأجل.

وبذلك يكون الذهب قد فقد جزءاً كبيراً من المكاسب التي حققها خلال موجة الصعود القياسية الأخيرة، في ظل تغير واضح في مزاج المستثمرين تجاه الأصول الآمنة.

انحسار التوترات الجيوسياسية يقلص الطلب على الملاذات الآمنة

ساهمت التطورات السياسية في الشرق الأوسط في زيادة الضغوط على الذهب، بعدما تراجعت المخاوف الجيوسياسية إثر توقف المواجهات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ما عزز التفاؤل بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية أوسع خلال الفترة المقبلة.

وأدى هذا التحسن النسبي في شهية المخاطرة إلى تقليص الإقبال على الذهب كملاذ آمن، خاصة مع تراجع احتمالات اتساع دائرة الصراع في المنطقة.

كما ساعد انخفاض أسعار النفط على تعزيز هذه التوقعات، بعد تراجع المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة العالمية وانحسار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسواق الوقود.

تراجع الدولار يخفف من حدة الخسائر

وفي المقابل، حدّ انخفاض الدولار الأمريكي من وتيرة الهبوط في أسعار الذهب.

وتراجع مؤشر الدولار للجلسة الثالثة على التوالي، مع استمرار عمليات جني الأرباح بعد بلوغه أعلى مستوياته في شهرين، إلى جانب تحسن شهية المستثمرين تجاه العملات ذات المخاطر الأعلى.

وعادة ما يدعم ضعف الدولار أسعار الذهب عبر زيادة جاذبية المعدن النفيس للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، إلا أن هذا الدعم ظل محدوداً أمام الضغوط الناتجة عن ارتفاع توقعات الفائدة الأمريكية.

الأسواق تترقب أهم بيانات الأسبوع

تتجه أنظار الأسواق المالية العالمية إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر مايو، والتي تُعد أحد أبرز المؤشرات القادرة على التأثير في توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال الاجتماعات المقبلة.

وتأتي أهمية هذه البيانات من كونها ستوفر صورة أكثر وضوحاً حول مسار التضخم الأمريكي ومدى نجاح السياسة النقدية الحالية في احتواء الضغوط السعرية.

ويرى المستثمرون أن أي مفاجأة صعودية في أرقام التضخم قد تدفع الأسواق إلى تعزيز رهاناتها على استمرار الفائدة المرتفعة، ما قد يشكل ضغطاً إضافياً على الذهب.

توقعات الفائدة لا تزال تميل نحو التشدد

رغم تراجع الدولار مؤخراً، لا تزال الأسواق تتبنى رؤية متشددة نسبياً تجاه السياسة النقدية الأمريكية.

فبحسب تسعيرات العقود المستقبلية، تستمر احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة عند مستويات مرتفعة، في ظل قوة النشاط الاقتصادي واستمرار متانة سوق العمل الأمريكي.

كما توقع بنك جولدمان ساكس أن يؤجل الاحتياطي الفيدرالي أي خفض للفائدة إلى عام 2027، مشيراً إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يظهر قدرة واضحة على تحمل مستويات الفائدة الحالية.

مستويات فنية حاسمة أمام الذهب

من الناحية الفنية، يقترب الذهب من منطقة دعم استراتيجية قد تحدد اتجاهه خلال النصف الثاني من العام.

وقال المحلل الاستراتيجي للأسواق إيليا سبيفاك إن الضغوط الحالية تعكس بصورة رئيسية تحول توقعات السياسة النقدية وارتفاع العوائد الحقيقية، موضحاً أن هذه العوامل تمثل أكبر التحديات أمام الذهب في الوقت الراهن.

وأضاف أن كسر مستوى 4,100 دولار للأوقية قد يفتح المجال أمام مرحلة هبوط أعمق، مع انتقال التركيز إلى مستويات دعم أدنى قد تمتد نحو منطقة 3,500 دولار قبل نهاية العام.

ترقب وحذر قبل صدور البيانات

ومع اقتراب صدور بيانات التضخم الأمريكية، تبدو أسواق الذهب أمام نقطة تحول مفصلية، حيث سيحدد مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة مدى قوة الضغوط التضخمية واتجاهات السياسة النقدية الأمريكية.

وفي الوقت الذي تستمر فيه عمليات البيع وتراجع الطلب على الملاذات الآمنة، يبقى الذهب رهينة للبيانات الاقتصادية القادمة، والتي قد تحدد ما إذا كانت موجة الهبوط الحالية ستتواصل، أم أن المعدن النفيس سيجد فرصة لإعادة بناء زخمه الصعودي من جديد.