النفط يصعد مع استمرار مخاوف الإمدادات في مواجهة تحسن تدفقات الخام من الشرق الأوسط

النفط يستعيد مكاسبه فوق 100 دولار مع موازنة السوق بين وفرة الإمدادات ومخاطر الشرق الأوسط

استعادت أسعار النفط مكاسبها خلال تداولات الثلاثاء، بعدما تخلت عن خسائرها المبكرة، في ظل محاولة المستثمرين تحديد ما إذا كانت وفرة الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط ستكون كافية لاحتواء مخاطر اضطراب التجارة، في وقت تستعد فيه مجموعة السبع لضخ كميات من احتياطيات الطوارئ إلى السوق.

وتتحرك السوق بين مؤشرين متعارضين؛ إذ تشير بيانات الشحن إلى استمرار تدفق كميات كبيرة من الخام والمنتجات المكررة من المنطقة، بينما تبقي الهجمات الحوثية والتوترات العسكرية في محيط السعودية علاوة المخاطر مرتفعة، ما يحد من قدرة الأسعار على الانخفاض.

برنت يستعيد مستوى 100 دولار

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 26 سنتًا لتغلق عند 100.58 دولار للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي سنتًا واحدًا إلى 89.44 دولار.

وجاءت المكاسب المحدودة بعد جلسة متقلبة، إذ حاول المتعاملون استيعاب إشارات متباينة بشأن المعروض العالمي. وفي الوقت الذي تخفف فيه تدفقات الخام من مخاوف النقص الفوري، فإن استمرار الهجمات على أهداف في المنطقة يبقي احتمال حدوث اضطرابات جديدة حاضرًا في تسعير النفط.

تدفقات الشرق الأوسط تحد من صدمة المعروض

أظهرت حركة الناقلات أن كميات كبيرة من الخام والمنتجات المكررة لا تزال تغادر الشرق الأوسط، وهو ما يوفر للسوق قدرًا من المرونة في مواجهة الاضطرابات.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «فيتول» إن نحو 12 مليون برميل يوميًا من الخام ومليوني برميل يوميًا من المنتجات المكررة غادرت الشرق الأوسط على متن ناقلات خلال الأيام السبعة إلى العشرة الماضية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة للسوق، لأنها تشير إلى أن الاضطرابات الأمنية لم تمنع المنتجين حتى الآن من مواصلة تصدير كميات كبيرة من النفط، وإن كانت طرق الشحن البديلة تضيف تكاليف ومخاطر إلى عملية النقل.

وفي السعودية، قال وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان إن 5.8 مليون برميل من النفط جرى ضخها عبر خط أنابيب الشرق والغرب حتى صباح الثلاثاء.

ويمثل الخط، الذي ينقل الخام إلى مركز التصدير في ينبع على البحر الأحمر، مسارًا بديلًا مهمًا في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة ببعض طرق الشحن التقليدية في المنطقة.

هجمات الحوثيين تبقي علاوة المخاطر مرتفعة

لكن استمرار التدفقات لم ينجح في إزالة المخاوف بشأن أمن الإمدادات.

واستُهدف مطارا جازان ونجران السعوديان في هجومين مساء الاثنين، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص وأضرار محدودة، وفقًا لهيئة الطيران السعودية، بالتزامن مع تصاعد المواجهات بين السعودية والحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

وتأتي الهجمات في وقت كثفت فيه القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض عملياتها لاستعادة أراضٍ من الحوثيين، بينما زادت السعودية من غاراتها الجوية دعمًا للحملة.

كما أعلنت قوات التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون.

وتضيف هذه التطورات علاوة مخاطر إلى سوق النفط، إذ إن أي امتداد للهجمات إلى منشآت الطاقة أو ممرات الشحن الرئيسية قد يبدد سريعًا أثر تحسن التدفقات الحالية.

مخزونات الطوارئ تحت المجهر

إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، تترقب السوق حجم الإمدادات الإضافية التي يمكن أن تصل إليها من خلال خطة مجموعة السبع للإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية.

واتفقت المجموعة يوم الجمعة على الإفراج عن 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام، تحت ضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع التعهد بعدم فرض قيود على صادرات الطاقة.

لكن غياب التفاصيل بشأن توزيع الكميات بين الخام والديزل والمنتجات المكررة، وكذلك الدول المشاركة في العملية، يجعل من الصعب على المتعاملين تحديد التأثير الفعلي للقرار على السوق.

ومن المقرر أن تبحث وكالة الطاقة الدولية الأسبوع المقبل تفاصيل الإفراج عن مخزونات الديزل، في وقت أصبحت فيه أسعار الوقود مصدر قلق متزايد للحكومات والاقتصادات المستهلكة.

أزمة الديزل تضيف ضغوطًا إلى السوق

أصبح الديزل أحد أكثر أجزاء سوق الطاقة حساسية، نظرًا لاعتماد قطاعات النقل والزراعة والصناعة عليه.

وساهمت الحرب في إيران وأوكرانيا في تقليص تدفقات المنتجات المكررة وإلحاق أضرار بالمصافي، ما أدى إلى تشديد السوق وارتفاع الأسعار.

ومن شأن الإفراج عن مخزونات الطوارئ أن يوفر بعض الإمدادات الإضافية، لكن مدى تأثيره سيعتمد على سرعة وصول الكميات إلى الأسواق وحجمها الفعلي مقارنة بالعجز في المنتجات المكررة.

توقعات أكثر تشددًا للمعروض في 2026

قدمت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بدورها صورة أكثر تشددًا بشأن توازنات السوق خلال العام المقبل.

وتتوقع الوكالة انخفاض إنتاج النفط العالمي من مستوى قياسي بلغ 106.3 مليون برميل يوميًا في 2025 إلى 101.1 مليون برميل يوميًا في 2026، فيما تتراجع الإمدادات العالمية من 104.4 مليون برميل يوميًا إلى 102.4 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها.

لكن الوكالة تتوقع أن تعود السوق إلى تسجيل مستويات قياسية في 2027، مع ارتفاع الإنتاج العالمي إلى 109.6 مليون برميل يوميًا والاستهلاك إلى 104.6 مليون برميل يوميًا.

وتشير هذه التوقعات إلى أن صدمة المعروض الحالية قد تكون مؤقتة، إلا أن مسار الأسعار على المدى القريب سيظل أكثر ارتباطًا بالمخاطر الجيوسياسية وقدرة المنتجين على إبقاء طرق التصدير مفتوحة.

مخزونات الولايات المتحدة تقدم اختبارًا جديدًا

في الولايات المتحدة، يترقب المتعاملون بيانات المخزونات الأسبوعية من معهد البترول الأمريكي الثلاثاء، قبل صدور الأرقام الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأربعاء.

ويتوقع محللون ارتفاع مخزونات الخام الأمريكية بنحو 1.8 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 2 أكتوبر.

وإذا تحققت هذه التقديرات، فستكون المرة الأولى منذ أغسطس التي ترتفع فيها مخزونات الخام لثلاثة أسابيع متتالية، مقارنة بزيادة بلغت 3.7 مليون برميل خلال الأسبوع نفسه من العام الماضي ومتوسط زيادة قدره 1.7 مليون برميل خلال السنوات الخمس من 2021 إلى 2025.

السوق تختبر قدرة الإمدادات على امتصاص الصدمة

تبدو سوق النفط في الوقت الراهن عالقة بين قوتين متعارضتين: تدفقات قوية نسبيًا من الشرق الأوسط تضغط على الأسعار، ومخاطر أمنية متصاعدة تمنع علاوة المخاطر من الانحسار بالكامل.

وسيكون حجم الإفراج الفعلي عن مخزونات الطوارئ، إلى جانب تطورات الصراع في اليمن وقدرة السعودية على استخدام مسارات التصدير البديلة، حاسمًا في تحديد اتجاه السوق.

وبينما تمنح التدفقات الحالية السوق بعض الطمأنينة بشأن توافر الخام، فإن أي تعطل جديد في صادرات الشرق الأوسط قد يعيد تسعير مخاطر الإمدادات بسرعة، ما يبقي أسعار النفط عرضة لتحركات حادة في الاتجاهين