النفط يواصل الهبوط الحاد مع تزايد رهانات عودة الإمدادات وانحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية

الأسواق تراهن على انفراج الأزمة الإيرانية وسط مؤشرات ضعف الطلب العالمي وضبابية آفاق الاستهلاك

تراجعت أسعار النفط بقوة خلال تعاملات الثلاثاء لتسجل أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، مع استمرار موجة التصحيح الهابطة التي اجتاحت الأسواق عقب الإعلان عن اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، ما عزز توقعات المستثمرين بقرب استعادة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز وتراجع المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات العالمية.

وعلى صعيد التداولات، هبطت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.4% إلى 81.15 دولاراً للبرميل، بعدما لامست أدنى مستوياتها منذ أوائل مارس، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 2.8% إلى 78.53 دولاراً للبرميل، مواصلاً خسائره للجلسة الثانية على التوالي.

وجاء هذا الأداء الضعيف بعد هبوط تجاوز 5% في جلسة الاثنين، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم أولي مع إيران لإنهاء الحرب، الأمر الذي دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية التي كانت تشكل أحد أبرز عوامل دعم الأسعار خلال الأشهر الماضية.

اتفاق السلام يعزز رهانات عودة النفط إلى الأسواق

ازدادت الضغوط على الخام بعد تأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة في سويسرا نهاية الأسبوع الجاري، في خطوة تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات العالقة بين الجانبين.

ويرى متعاملون أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير سيناريو عودة الإمدادات النفطية الخليجية والإيرانية بوتيرة أسرع من التوقعات السابقة، خاصة مع تزايد الحديث عن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل خلال الفترة المقبلة.

وقال أولي هانسن، المحلل لدى “ساكسو بنك”، إن السوق تشهد إعادة تسعير واسعة للمخاطر، مع تراجع الحاجة إلى الاحتفاظ بعلاوة جيوسياسية مرتفعة في ظل التقدم الملحوظ على المسار الدبلوماسي.

مضيق هرمز يظل العامل الأكثر تأثيراً

ورغم التحسن النسبي في الأجواء السياسية، لا تزال الأنظار تتجه نحو مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، حيث ينتظر المستثمرون وضوحاً أكبر بشأن آليات إعادة فتحه وضمان سلامة الملاحة البحرية.

وبينما بدأت بعض الناقلات في استئناف العبور بشكل محدود، تواصل شركات الشحن والطاقة تقييم المخاطر التشغيلية، في ظل الحاجة إلى إزالة التهديدات الأمنية وإعادة تنظيم حركة الملاحة بصورة كاملة.

وتشير التقديرات إلى أن أي عودة تدريجية للإمدادات عبر المضيق قد تسهم في تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، لكنها قد تفرض في المقابل مزيداً من الضغوط على الأسعار خلال المدى القريب.

تباطؤ الطلب الصيني يزيد من الضغوط

في الوقت نفسه، تواجه أسعار النفط تحديات إضافية من جانب الطلب، بعد صدور بيانات أظهرت استمرار ضعف الاستهلاك في الصين، أكبر مستورد للخام في العالم.

وكشفت البيانات عن تراجع واردات الصين النفطية خلال مايو إلى أدنى مستوياتها في ثمانية أعوام، ما أثار مخاوف بشأن قوة الطلب العالمي خلال النصف الثاني من العام.

كما ساهمت التوقعات بانخفاض الشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية في تعزيز النظرة السلبية للأسعار، خاصة مع استمرار تباطؤ النشاط الصناعي في عدد من الاقتصادات الكبرى.

مؤسسات مالية تخفض توقعاتها للأسعار

ومع تزايد احتمالات تحسن الإمدادات، خفضت عدة مؤسسات مالية عالمية تقديراتها المستقبلية لأسعار النفط.

فقد قلص بنك “غولدمان ساكس” توقعاته لخام برنت خلال الربع الرابع من العام، مشيراً إلى أن عودة الصادرات الخليجية والإيرانية بوتيرة أسرع قد تدفع السوق إلى تسجيل فائض أكبر من المتوقع.

كما حذر محللو “مورغان ستانلي” من أن ضعف مؤشرات الطلب الفعلي قد يحد من قدرة الأسعار على التعافي، حتى في ظل استمرار انخفاض المخزونات العالمية.

الأسواق تترقب وضوح الرؤية

ورغم موجة التفاؤل المرتبطة بالمفاوضات الجارية، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع التطورات السياسية، نظراً لعدم الإعلان عن اتفاق نهائي حتى الآن.

ويترقب المستثمرون نتائج المحادثات المرتقبة في سويسرا، والتي قد تشكل نقطة تحول رئيسية في مسار أسواق الطاقة، سواء عبر تسريع عودة الإمدادات العالمية أو إبقاء جزء من المخاطر الجيوسياسية قائماً في التسعير خلال الفترة المقبلة.