الذهب يتماسك قرب مستوياته الحالية والفضة تظل دون 60 دولاراً مع تزايد رهانات الفائدة المرتفعة

الذهب والفضة يتحركان في نطاقات ضيقة مع تصاعد رهانات الفائدة وتراجع الطلب على الملاذات الآمنة

استقرت أسعار الذهب والفضة قرب مستويات فنية حساسة خلال تعاملات الخميس، في ظل حالة من الترقب التي تسيطر على الأسواق العالمية، بينما يواصل المستثمرون تقييم تداعيات تشديد السياسة النقدية من جانب البنوك المركزية الكبرى واحتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.

ورغم محاولات الذهب استعادة مستوى 4,000 دولار للأوقية، فإن قوة الدولار الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية للسندات أبقيا الضغوط قائمة على المعادن النفيسة، في وقت تراجعت فيه جاذبية الأصول الآمنة مع انحسار حدة التوترات الجيوسياسية.

أداء الأسعار

تحرك الذهب الفوري بالقرب من مستوى 3,990.17 دولارًا للأوقية، بعدما تمكن مؤقتًا من تجاوز حاجز 4,000 دولار خلال التداولات، قبل أن يتخلى عن مكاسبه مع عودة الضغوط البيعية.

وفي سوق العقود الآجلة، تراجعت عقود الذهب الأمريكية للشهر القريب بصورة طفيفة إلى 4,006.60 دولار للأوقية، لتصل خسائر المعدن الأصفر منذ بداية العام إلى نحو 7.5%.

أما الفضة، فقد أظهرت أداءً متباينًا، إذ ارتفعت الأسعار الفورية بنسبة محدودة بلغت 0.1% إلى 57.49 دولارًا للأوقية، بينما انخفضت العقود الآجلة تسليم يوليو بنسبة 1.2% إلى 57.41 دولارًا، لتسجل تراجعًا يقارب 20% منذ مطلع العام.

تشدد البنوك المركزية يغير معادلة السوق

يرى محللون أن أسواق المعادن الثمينة دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها السياسة النقدية المحرك الرئيسي للأسعار، بعدما كانت التوترات الجيوسياسية تمثل الداعم الأكبر للذهب خلال العام الماضي.

وأدت الرسائل المتشددة الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب استمرار دورة رفع الفائدة لدى عدد من البنوك المركزية العالمية، إلى تعزيز جاذبية الدولار والأصول ذات العائد، وهو ما انعكس سلبًا على الذهب والفضة.

وفي ظل هذه البيئة، أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي بيانات تتعلق بالتضخم أو النمو الاقتصادي، باعتبارها العامل الأهم في تحديد مستقبل أسعار الفائدة.

الذهب يفقد جزءًا من بريقه بعد المكاسب القياسية

بعد المكاسب الاستثنائية التي سجلها الذهب خلال عام 2025، والتي تجاوزت 66%، دخل المعدن الأصفر مرحلة تصحيح اتسمت بارتفاع حدة التقلبات وتزايد عمليات جني الأرباح.

كما فقد الذهب جزءًا من دوره التقليدي كملاذ آمن، مع تراجع المخاطر الجيوسياسية تدريجيًا وعودة اهتمام المستثمرين بالأصول الأعلى عائدًا.

أما الفضة، التي كانت من أبرز الرابحين خلال العام الماضي بارتفاع تجاوز 135%، فقد واجهت ضغوطًا أكبر نتيجة ارتفاع تقلباتها وارتباطها الوثيق بالتوقعات الاقتصادية والنشاط الصناعي.

“ماكواري”: الفائدة والدولار يقودان اتجاه المعادن

أكد محللو بنك “ماكواري” أن الأسواق تركز حاليًا بصورة شبه كاملة على اتجاهات التضخم والسياسة النقدية، مشيرين إلى أن استمرار قوة الدولار وارتفاع احتمالات رفع أسعار الفائدة يقلصان فرص انتعاش الذهب في الأجل القصير.

وأضاف البنك أن انتهاء التوترات العسكرية في الشرق الأوسط ساهم في تراجع الطلب على الملاذات الآمنة، بينما دفعت التوقعات الاقتصادية المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لصالح الأسهم والأصول المدرة للعائد.

ورغم النظرة الحذرة قصيرة الأجل، لا تزال المؤسسة تتوقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب خلال عام 2026 نحو 4,641 دولارًا للأوقية، قبل أن يبدأ مسار هبوطي تدريجي خلال الأعوام التالية.

كما خفض البنك مستهدفه لنهاية العام إلى 4,300 دولار للأوقية مقارنةً بتوقعاته السابقة البالغة 4,400 دولار.

الفضة مرشحة لمزيد من التقلبات

بحسب “ماكواري”، تبدو الفضة أكثر عرضة للتذبذب في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة، مع توقعات ببقاء الأسعار ضمن نطاق عرضي خلال الأشهر المقبلة.

ورغم ذلك، لا يستبعد البنك تسجيل الفضة ارتفاعات مؤقتة قد تدفعها نحو مستوى 70 دولارًا للأوقية قبل نهاية العام، على أن تعود لاحقًا إلى مسار تصحيحي مع استمرار التشديد النقدي.

البنوك المركزية توفر دعماً طويل الأجل

ورغم التراجع الأخير، لا تزال مشتريات البنوك المركزية تمثل أحد أهم عوامل الدعم الهيكلية لسوق الذهب.

وأشار جاي أدامي، المؤسس المشارك لشركة “ريسك ريفرسال ميديا”، إلى أن المعدن الأصفر لا يزال يحتفظ بجاذبيته كوسيلة للتحوط من التضخم، متوقعًا استمرار البنوك المركزية في تعزيز احتياطياتها خلال الفترة المقبلة.

كما أظهر أحدث استطلاع لمجلس الذهب العالمي أن غالبية البنوك المركزية تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي.

المؤسسات الاستثمارية تحذر من استمرار الضغوط

في المقابل، تبنت عدة مؤسسات مالية نظرة أكثر تحفظًا تجاه الذهب على المدى القريب، معتبرة أن استمرار ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار قد يحدان من أي موجة صعود جديدة.

ويرى محللو “OCBC” أن كسر مستوى 4,000 دولار شكّل إشارة فنية سلبية، مرجحين أن تبقى أي محاولات للارتداد محدودة ما لم تتراجع العوائد الأمريكية أو يغيّر الاحتياطي الفيدرالي نبرته المتشددة.

نظرة مستقبلية

تظل تحركات الذهب والفضة مرهونة بمسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، إذ يترقب المستثمرون بيانات التضخم وتعليقات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بحثًا عن مؤشرات قد تحدد توقيت أي تغيير في أسعار الفائدة. وحتى ذلك الحين، يُرجح أن تبقى المعادن النفيسة عرضة لتقلبات مرتفعة، مع استمرار الضغوط الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للعائد