النفط يحافظ على مكاسبه مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع احتمالات اضطراب الإمدادات

تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق استهداف ممرات الطاقة تعزز رهانات نقص الإمدادات… والأسواق تراقب احتمالات اتساع الصراع

واصلت أسعار النفط مكاسبها خلال تعاملات الأربعاء، مدعومة بتزايد المخاوف من تعطل إمدادات الخام في الشرق الأوسط، بعدما كثفت الولايات المتحدة ضغوطها على إيران بإعادة فرض حصار بحري على موانئها، بينما ردت طهران بتهديدات طالت ممرات تصدير الطاقة في المنطقة، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في سوق النفط.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 0.8% إلى 85.42 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 0.9% إلى 80.07 دولارًا للبرميل، بعدما أنهى الخامان جلسة الثلاثاء على مكاسب تجاوزت 2%، مسجلين أعلى مستوياتهما في نحو شهر.

ويعكس استمرار الصعود تنامي المخاوف من أن تتحول المواجهة العسكرية إلى تهديد مباشر لحركة صادرات النفط، في وقت لا تزال فيه الأسواق تعتمد على تدفقات مستقرة من منطقة الخليج لتلبية الطلب العالمي.

الحصار البحري يعيد رسم خريطة المخاطر

بدأت الولايات المتحدة تنفيذ إجراءات الحصار البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، في خطوة تمثل تصعيدًا جديدًا في استراتيجية الضغط على طهران، وتثير تساؤلات بشأن قدرة إيران على الحفاظ على مستويات صادراتها النفطية خلال الفترة المقبلة.

وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن أمن صادرات الطاقة في المنطقة أصبح مرتبطًا بتطورات المواجهة، مؤكدًا أن “إما أن تبقى طرق التصدير مفتوحة للجميع أو لن تكون متاحة لأحد”.

ويرى محللون أن هذه الرسائل تتجاوز كونها تصريحات سياسية، إذ تعكس استعدادًا لرفع مستوى الضغط على الممرات البحرية الاستراتيجية، بما في ذلك مضيق باب المندب، الأمر الذي يهدد بإضافة نقطة اختناق جديدة إلى تجارة الطاقة العالمية، إلى جانب مضيق هرمز.

المواجهة العسكرية تتسع

بالتوازي مع الحصار البحري، أعلن الجيش الأمريكي تنفيذ موجة جديدة من الضربات الجوية استهدفت مواقع عسكرية إيرانية مرتبطة بالعمليات ضد السفن التجارية، في حين واصلت إيران الرد عبر هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع أمريكية في المنطقة، مع إعلانها تنفيذ عمليات ضد أهداف عسكرية في البحرين والكويت، دون تأكيد مستقل لهذه التقارير.

كما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه أرجأ استهداف منشآت الطاقة الإيرانية في الوقت الحالي، لكنه أكد أن هذا الخيار سيظل مطروحًا إذا استمرت طهران في التصعيد.

الأسواق تترقب تأثير الحصار على الصادرات

قال جيوفاني ستونوفو، المحلل لدى UBS، إن الحصار البحري الأمريكي قد يؤدي إلى تضييق الخناق على صادرات النفط الإيرانية، التي تراوحت بين 1.5 و2 مليون برميل يوميًا خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما قد يزيد من تشدد أوضاع سوق الخام إذا استمر لفترة طويلة.

وفي السياق نفسه، أشار غولدمان ساكس إلى أن صادرات النفط الخليجية، التي كانت قد تعافت إلى أكثر من 80% من مستوياتها الطبيعية عقب اتفاق التهدئة بين واشنطن وطهران في يونيو، تراجعت مجددًا إلى أقل من 50% خلال الأسبوع الماضي مع عودة العمليات العسكرية.

وأضاف البنك أن استمرار تعطل تدفقات النفط من المنطقة قد يدفع خام برنت إلى تجاوز 110 دولارات للبرميل خلال الربع الأخير من العام، إذا لم تتحسن حركة الصادرات أو تتراجع حدة التوترات.

المستثمرون يتجنبون المبالغة في تسعير المخاطر

ورغم استمرار موجة الصعود، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع التطورات، في ظل سرعة تغير المشهدين السياسي والعسكري.

وقال أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك، إن المتعاملين أصبحوا أكثر انتقائية في التفاعل مع التصريحات السياسية، بعد أن أظهرت الأشهر الماضية أن كثيرًا من التهديدات لم تتحول إلى تعطيل واسع للإمدادات.

وأضاف أن العامل الحاسم لاتجاه الأسعار لن يكون التصريحات أو الضربات العسكرية في حد ذاتها، وإنما مدى انعكاسها على تدفقات النفط الفعلية عبر مضيق هرمز وباب المندب، اللذين يشكلان ركيزتين أساسيتين لسوق الطاقة العالمية.

ويبقى تركيز المستثمرين منصبًا على مؤشرات حركة الناقلات والصادرات خلال الأيام المقبلة، باعتبارها المعيار الحقيقي لتحديد ما إذا كانت السوق ستواجه نقصًا ملموسًا في الإمدادات، أم أن الارتفاع الحالي يعكس في الأساس علاوة مخاطر جيوسياسية قابلة للتراجع مع انحسار التوترات