النفط يتراجع لأدنى مستوى في أسبوعين مع انحسار المخاوف الجيوسياسية خلال تداولات امس الثلاثاء

النفط يهبط إلى أدنى مستوياته في أسبوعين مع تراجع رهانات تعطل الإمدادات وترقب نتائج المسار الدبلوماسي

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 5% خلال تعاملات الثلاثاء، لتعمق خسائرها للجلسة الثالثة على التوالي، بعدما واصلت الأسواق استبعاد سيناريو تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط، في ظل مؤشرات على تقدم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما دفع المستثمرين إلى تسريع عمليات التخارج من المراكز التي بُنيت خلال موجة الصعود الأخيرة.

وهبطت العقود الآجلة لخام برنت 4.61 دولار، أو 5.2%، إلى 83.75 دولارًا للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 4.06 دولار، أو 4.9%، إلى 78.55 دولارًا للبرميل، ليتجه الخامان نحو أدنى مستوى إغلاق منذ 13 يوليو بعد خسائر تجاوزت 17% خلال ثلاثة أيام فقط.

انحسار المخاطر يعيد تسعير سوق النفط

يعكس الهبوط السريع تحولًا واضحًا في مزاج المستثمرين، بعدما بدأت الأسواق في سحب علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دفعت النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال ذروة التوترات.

وجاء هذا التحول مدفوعًا بتزايد التوقعات بأن واشنطن وطهران قد تتجهان إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، وهو ما خفف المخاوف من اضطراب طويل الأمد في تدفقات الخام عبر الخليج.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تجري “محادثات بناءة” مع إيران، معربًا عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى اتفاق، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الخيار العسكري سيظل مطروحًا إذا أخفقت الجهود السياسية.

في المقابل، نفت طهران وجود محادثات مباشرة مع واشنطن، إلا أن استمرار الوساطات الإقليمية أبقى الأسواق متمسكة برهاناتها على احتواء التصعيد بدلاً من اتساعه.

مبادرة عُمانية تخفف الضغوط على الأسواق

وفي مؤشر جديد على تنشيط المسار الدبلوماسي، كشفت مصادر خليجية ودبلوماسية عن مبادرة تقودها سلطنة عُمان، بدعم من دول خليجية، لإنشاء إطار مشترك لإدارة الملاحة في مضيق هرمز، يتضمن آلية لفرض رسوم عبور طوعية مقابل توفير ضمانات أمنية للسفن التجارية.

ولا تزال إيران تدرس المقترح دون إعلان موقف رسمي، إلا أن مجرد طرح المبادرة اعتُبر إشارة إلى وجود جهود عملية للحفاظ على انسياب التجارة عبر المضيق، الذي تمر من خلاله نحو 20% من صادرات النفط العالمية.

ويرى متعاملون أن الأسواق أصبحت أكثر اقتناعًا بأن احتمالات إغلاق مضيق هرمز تراجعت بصورة ملموسة مقارنة بما كانت عليه قبل أيام، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الخام.

البحر الأحمر يمنع هبوطًا أعمق

ورغم تراجع علاوة المخاطر في الخليج، فإن الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر لا تزال تحد من وتيرة انخفاض أسعار النفط.

وأفادت تقارير بأن شركة أرامكو أوقفت تشغيل مصفاة جازان البالغة طاقتها 400 ألف برميل يوميًا عقب هجمات استهدفت المنطقة، فيما تدرس الشركة إعادة هيكلة مسارات تصدير الخام إلى الأسواق الآسيوية عبر خط أنابيب سوميد وميناء سيدي كرير المصري، في ظل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

كما تستمر هجمات الحوثيين في التأثير على حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، ما يبقي أحد أهم ممرات الطاقة العالمية عرضة للمخاطر، حتى مع تحسن تدريجي في حركة السفن.

وأظهرت بيانات Kpler ارتفاع عدد السفن العابرة لباب المندب إلى 28 سفينة يوم الاثنين، وهو أعلى مستوى في أربعة أيام، بينما بقيت حركة العبور عبر مضيق هرمز أقل من مستوياتها المعتادة، في إشارة إلى أن شركات الشحن لا تزال تتعامل بحذر مع الأوضاع الأمنية.

أوكرانيا تضيف عاملًا هبوطيًا جديدًا

وفي الوقت نفسه، بدأت الأسواق تراقب بوادر انفراج محتمل في الحرب الروسية الأوكرانية، بعدما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إجراء مباحثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استئناف جهود السلام.

وأي تقدم في هذا الملف قد يمهد لتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الروسية، وهو ما قد يضيف كميات جديدة إلى السوق العالمية ويزيد الضغوط على الأسعار، خاصة في ظل توقعات باستقرار الطلب العالمي خلال النصف الثاني من العام.

الدولار والمخزونات في دائرة الاهتمام

بعيدًا عن الجغرافيا السياسية، يواصل المستثمرون مراقبة المؤشرات الاقتصادية الأمريكية، حيث استقر الدولار قرب أعلى مستوياته في أربعة أسابيع قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما زاد الضغوط على السلع المقومة بالعملة الأمريكية، بما فيها النفط.

كما تنتظر الأسواق بيانات المخزونات الأمريكية، وسط توقعات بانخفاض مخزونات الخام بنحو 1.4 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.

وبالنسبة للمتعاملين، فإن تأثير بيانات المخزونات سيظل محدودًا ما لم يتغير المشهد الجيوسياسي، إذ لا تزال تطورات الشرق الأوسط هي العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه أسعار النفط، سواء عبر نجاح المساعي الدبلوماسية أو عودة التوترات العسكرية إلى الواجهة