الذهب والفضة يتراجعان تحت وطأة ضغوط الأسواق وتنامي توقعات التشديد النقدي

الذهب والفضة تحت ضغط التشديد النقدي.. الأسواق تعيد تسعير توقعات المعادن النفيسة

تراجعت أسعار الذهب والفضة بقوة خلال تعاملات الثلاثاء، مع تصاعد موجة العزوف عن المخاطرة في الأسواق العالمية وانتقال الضغوط البيعية من قطاع التكنولوجيا إلى أسواق المعادن الثمينة، في ظل تنامي الرهانات على استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة وارتفاع احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

ويأتي هذا التراجع في وقت تتزايد فيه قناعة المستثمرين بأن أسعار الفائدة الأمريكية ستبقى مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، ما دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية في الأصول غير المدرة للعائد، وعلى رأسها الذهب والفضة.

خسائر حادة للمعادن الثمينة

أنهت العقود الآجلة للذهب تعاملات الثلاثاء على انخفاض بنسبة 1.3% لتستقر عند 4,149.40 دولاراً للأوقية، مواصلة الابتعاد عن المستويات القياسية التي سجلتها خلال الفترة الماضية.

أما الفضة، فقد كانت الأكثر تضرراً، إذ هبطت عقودها الآجلة بأكثر من 5% لتغلق عند 62.07 دولاراً للأوقية، في أكبر خسارة يومية لها منذ عدة أسابيع، بفعل عمليات بيع مكثفة وجني أرباح واسع النطاق.

ويعكس الأداء الضعيف للفضة حساسية المعدن المزدوجة تجاه تباطؤ شهية المخاطرة وتوقعات النمو الاقتصادي، إلى جانب تأثره بتحركات السياسة النقدية العالمية.

الفيدرالي يقلب موازين السوق

تعرض الذهب لضغوط متزايدة منذ الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بقيادة كيفن وارش، والذي حمل تحولاً واضحاً نحو التشدد النقدي، مع تراجع الرهانات على خفض أسعار الفائدة وارتفاع التوقعات بتنفيذ زيادات إضافية قبل نهاية العام.

وقد أدى هذا التحول إلى ارتفاع العوائد الحقيقية على السندات الأمريكية، ما عزز جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالمعادن النفيسة، التي لا توفر عائداً مباشراً للمستثمرين.

ويرى متعاملون أن الأسواق بدأت تتعامل مع سيناريو جديد يتمثل في بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يمثل تحدياً جوهرياً أمام استمرار صعود الذهب.

الملاذ الآمن يفقد جزءاً من بريقه

رغم استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، فإن الذهب فشل في الاستفادة من دوره التقليدي كملاذ آمن، مع تحول تركيز المستثمرين نحو تأثير السياسة النقدية الأمريكية على الأسواق المالية.

ومنذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير، لم تنجح التطورات الجيوسياسية وحدها في دفع الذهب نحو قمم جديدة، إذ طغت مخاوف الفائدة المرتفعة وقوة الدولار على العوامل الداعمة للمعدن الأصفر.

ويشير ذلك إلى تغير واضح في أولويات المستثمرين، حيث أصبحت تحركات البنوك المركزية العامل الأكثر تأثيراً في تسعير الذهب مقارنة بالمخاطر السياسية.

موجة التصحيح في التكنولوجيا تمتد إلى السلع

ساهمت الخسائر التي ضربت أسهم التكنولوجيا العالمية في تعزيز الضغوط على أسواق المعادن النفيسة، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول التي شهدت ارتفاعات قوية خلال الأشهر الماضية.

وأدى هذا التحول إلى زيادة الطلب على السيولة والدولار الأمريكي، وهو ما انعكس سلباً على الذهب والفضة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للعائد.

ويرى محللون أن الأسواق تمر بمرحلة إعادة تموضع استثماري واسعة، مدفوعة بإعادة تسعير توقعات الفائدة والعوائد في الاقتصاد الأمريكي.

بنك أوف أمريكا يخفض سقف التوقعات

في مؤشر على تغير المزاج الاستثماري تجاه الذهب، بدأت المؤسسات المالية الكبرى مراجعة توقعاتها الصعودية للمعدن النفيس.

وقال مايكل ويدمر، استراتيجي السلع في بنك أوف أمريكا، إن توقع وصول الذهب إلى 6,000 دولار للأوقية بات أقل واقعية في ظل البيئة النقدية الحالية، مشيراً إلى أن استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على نهجه المتشدد لفترة أطول.

وأضاف أن أي موجة صعود قوية جديدة للذهب ستتطلب تراجعاً ملموساً في توقعات رفع أسعار الفائدة، وهو ما لا تدعمه المؤشرات الحالية.

دويتشه بنك: الفائدة المرتفعة قد تدفع الذهب إلى 3,800 دولار

من جانبه، أجرى دويتشه بنك مراجعة لتوقعاته الخاصة بالذهب، مشيراً إلى أن المستثمرين المتفائلين باتوا يواجهون بيئة أكثر صعوبة مع تصاعد احتمالات التشديد النقدي.

ورجح البنك أن يتحرك الذهب قرب مستوى 4,300 دولار للأوقية خلال الربع الثالث إذا أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير.

في المقابل، حذر من أن تنفيذ ثلاث أو أربع زيادات إضافية للفائدة قد يدفع المعدن الأصفر للتراجع نحو مستوى 3,800 دولار للأوقية، مع اتساع الفارق بين العوائد الحقيقية وجاذبية الذهب الاستثمارية.

الأسواق تترقب بيانات اقتصادية مفصلية

تتجه أنظار المستثمرين حالياً إلى سلسلة من البيانات الاقتصادية الأمريكية المرتقبة، والتي يُنتظر أن توفر مؤشرات حاسمة حول اتجاه التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي.

ومن شأن هذه البيانات أن تلعب دوراً محورياً في تشكيل توقعات السياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام، وبالتالي تحديد المسار المقبل للذهب والفضة والدولار الأمريكي.

نظرة مستقبلية

يواجه الذهب والفضة مرحلة دقيقة تتسم بتراجع الدعم القادم من العوامل الجيوسياسية مقابل تصاعد تأثير السياسة النقدية الأمريكية. وبينما لا تزال المخاطر العالمية توفر دعماً محدوداً للمعادن النفيسة، فإن قوة الدولار وارتفاع العوائد وتزايد رهانات رفع الفائدة تبقى العوامل الأكثر تأثيراً على اتجاه الأسعار في الأجل القريب.

الخلاصة

دخلت أسواق المعادن الثمينة مرحلة إعادة تسعير واسعة مع تنامي التوقعات باستمرار التشديد النقدي الأمريكي، ما أدى إلى تراجع الذهب والفضة وسط موجة بيع عالمية للأصول الحساسة للفائدة. ومع ترقب بيانات اقتصادية أمريكية مهمة، سيظل مسار أسعار الفائدة العامل الرئيسي في تحديد اتجاه المعادن النفيسة خلال الفترة المقبلة