أسعار الذهب تتراجع من أعلى مستوياتها في شهرين مع ارتفاع عوائد السندات

الذهب يتراجع من قمة شهرين مع صعود النفط والعوائد.. والتضخم يختبر رهانات الفائدة

تراجع الذهب خلال تعاملات الثلاثاء، متخليًا عن جزء من مكاسبه القياسية بعد أن لامس أعلى مستوى له في أكثر من شهرين، مع صعود أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.4% إلى 4,371.92 دولار للأوقية، بعدما سجل في وقت سابق 4,434.84 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 5 يونيو.

وتأتي خسائر المعدن بعد موجة صعود قوية، إذ باتت السوق أمام معادلة أكثر تعقيدًا: التوترات الجيوسياسية توفر دعمًا للذهب كملاذ آمن، لكن ارتفاع النفط والعوائد الأمريكية يرفع تكلفة الاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائدًا.

النفط يعيد التضخم إلى صدارة المشهد

ارتفعت أسعار النفط مع تراجع الآمال بشأن التوصل إلى اتفاق سريع بين الولايات المتحدة وإيران يعيد فتح مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تجارة الطاقة عالميًا.

وزادت حالة عدم اليقين بعدما طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بتقديم تعويضات ضمن شروط التسوية، ما يعكس استمرار الخلافات التي تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

ويشكل ارتفاع النفط مصدر ضغط غير مباشر على الذهب؛ فاستمرار صعود الطاقة قد يعيد تسريع التضخم، ما يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أقل لتخفيف السياسة النقدية.

وبالتالي، فإن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يعني فائدة أعلى لفترة أطول، وهو سيناريو يميل عادةً إلى دعم الدولار والعوائد والضغط على الذهب.

عوائد السندات تضغط على المعدن

لم تقتصر الضغوط على النفط، إذ ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع.

ويتابع المستثمرون العوائد عن كثب باعتبارها أحد أهم محددات جاذبية الذهب؛ فكلما ارتفعت العوائد على الأصول الحكومية الآمنة، زادت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يقدم دخلًا دوريًا.

ويأتي ذلك في وقت يحاول فيه المتعاملون إعادة بناء توقعاتهم بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد إشارات متباينة من سوق العمل والتضخم.

رهانات رفع الفائدة تتحول سريعًا

وتظهر سرعة تغير توقعات السوق في تسعير عقود الفائدة، إذ ارتفعت احتمالات رفع الاحتياطي الفيدرالي للفائدة في سبتمبر إلى نحو 52%، مقارنة بـ44% في الجلسة السابقة.

ويعني ذلك أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية لأي مفاجأة صعودية في بيانات الأسعار، بعدما كانت رهانات التيسير النقدي قد اكتسبت زخمًا عقب ضعف بيانات سوق العمل.

وتظل هذه الاحتمالات قابلة للتغير بقوة مع صدور بيانات التضخم، التي قد تحدد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيجد مساحة لخفض الفائدة لاحقًا أم سيبقي السياسة النقدية أكثر تشددًا.

التضخم الأمريكي أمام اختبار حاسم

تتجه الأنظار إلى مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي المقرر صدوره الأربعاء، قبل صدور مؤشر أسعار المنتجين يوم الخميس.

وتكتسب البيانات أهمية خاصة للذهب بعد الارتفاع الحاد الذي دفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ يونيو. فأي قراءة تضخم أقل من المتوقع قد تدعم السندات وتضغط على الدولار، ما يمنح الذهب دفعة جديدة نحو القمة الأخيرة.

في المقابل، قد تؤدي قراءة أقوى من المتوقع إلى ارتفاع العوائد وتعزيز توقعات استمرار الفائدة المرتفعة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من جني الأرباح في سوق الذهب.

المعادن الأخرى تحت الضغط

وشهدت المعادن النفيسة أداءً متباينًا؛ إذ تراجعت الفضة 1.5% إلى 64.74 دولار للأوقية، بينما ارتفع البلاتين 0.4% إلى 1,760.15 دولار، وانخفض البلاديوم 0.4% إلى 1,377.81 دولار.

الذهب أمام معادلة متناقضة

يواجه الذهب حاليًا عاملين متضادين. فمن جهة، لا تزال المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران ومضيق هرمز تعزز الطلب على أصول الملاذ الآمن. ومن جهة أخرى، يهدد ارتفاع النفط والعوائد بإعادة ترسيخ مخاوف التضخم وإبقاء الفائدة مرتفعة.

وبعد وصول الذهب إلى 4,434.84 دولار للأوقية، تتحول بيانات التضخم إلى المحرك الرئيسي للسوق. استمرار تراجع ضغوط الأسعار قد يعيد المعدن إلى مسار اختبار قمته الأخيرة، بينما قد تؤدي مفاجأة تضخمية صعودية إلى تمديد موجة التصحيح.

في هذه المرحلة، لم يعد السؤال بالنسبة للمستثمرين هو ما إذا كان الذهب قادرًا على الصعود فحسب، بل ما إذا كان بإمكانه الحفاظ على مكاسبه في مواجهة عوائد أمريكية أعلى ونفط أكثر تكلفة وتوقعات فائدة أصبحت أقل تيسيرًا