المعدن النفيس يتخلى عن مكاسبه وسط تصاعد الضغوط النقدية في الولايات المتحدة

الذهب يتراجع بفعل رهانات الفائدة وتصاعد التوترات الجيوسياسية.. والنفط المرتفع يزيد الضغوط التضخمية

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الاثنين، مواصلة أداءها الضعيف بعد خسائر الأسبوع الماضي، مع تحول اهتمام المستثمرين إلى تداعيات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران على التضخم العالمي، في وقت عزز فيه ارتفاع أسعار النفط الرهانات على استمرار السياسة النقدية المتشددة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

ويأتي ذلك في ظل ترقب الأسواق لسلسلة من البيانات الاقتصادية الأمريكية المهمة هذا الأسبوع، والتي قد تحدد ملامح مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، وتؤثر بصورة مباشرة في اتجاهات أسواق المعادن النفيسة.

الذهب يواصل التراجع بعد خسائر قوية

سجل الذهب الفوري انخفاضًا بنسبة 1.7% ليصل إلى 4,019.79 دولارًا للأوقية، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم أغسطس بنسبة 1.4% إلى 4,038.90 دولارًا للأوقية.

ويواصل المعدن النفيس التحرك بالقرب من أدنى مستوياته في أكثر من سبعة أشهر، بعدما تعرض لضغوط قوية خلال الفترة الماضية نتيجة ارتفاع الدولار الأمريكي وتنامي توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.

تصاعد التوترات يعزز مخاوف التضخم أكثر من الطلب على الملاذات الآمنة

جاءت الضغوط على الذهب عقب تجدد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، بعدما شنت إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، وذلك بعد تحذيرات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الرد على أي تصعيد جديد.

ورغم أن الذهب يُعد تقليديًا أحد أبرز الملاذات الآمنة خلال فترات الاضطرابات الجيوسياسية، فإن الأسواق ركزت هذه المرة على التداعيات التضخمية المحتملة لارتفاع أسعار النفط، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في قرارات السياسة النقدية.

وقال بيتر جرانت، نائب الرئيس وكبير استراتيجيي المعادن في شركة زانر ميتالز، إن المستثمرين يواصلون متابعة تطورات الشرق الأوسط، بالتزامن مع إعادة تسعير توقعات الفائدة الأمريكية بعد الرسائل المتشددة الأخيرة الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي.

النفط المرتفع يعزز توقعات استمرار التشديد النقدي

أدى ارتفاع أسعار النفط عقب التصعيد العسكري إلى تنامي المخاوف من موجة تضخم جديدة، وهو ما عزز توقعات إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد ثبت أسعار الفائدة في اجتماعه الأخير، لكنه أشار إلى إمكانية استئناف دورة التشديد النقدي إذا استمرت الضغوط التضخمية، الأمر الذي يقلص جاذبية الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا مقارنة بالأصول ذات العائد الثابت.

قوة الدولار تضيف مزيدًا من الضغوط

ساهم استمرار صعود الدولار الأمريكي في زيادة الضغوط على المعدن الأصفر، مع اقتراب العملة الأمريكية من تسجيل أقوى أداء شهري لها منذ نحو عام.

ويؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين من حائزي العملات الأخرى، وهو ما يحد من الطلب العالمي على المعدن النفيس ويضغط على أسعاره.

الأسواق تترقب بيانات الوظائف الأمريكية

تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى بيانات سوق العمل الأمريكية، وفي مقدمتها تقرير التوظيف الصادر عن شركة ADP يوم الأربعاء، يليه تقرير الوظائف غير الزراعية يوم الخميس، لما لهما من أهمية كبيرة في تقييم قوة الاقتصاد الأمريكي وتحديد توجهات الاحتياطي الفيدرالي.

وتشير تسعيرات الأسواق حاليًا إلى احتمال يقارب 60% لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، وهو ما يجعل أي بيانات قوية لسوق العمل داعمًا لاستمرار الضغوط على الذهب.

ويرى محللون أن استمرار قوة المؤشرات الاقتصادية الأمريكية قد يدفع الذهب لاختبار مستويات سعرية أدنى، في ظل تراجع فرص خفض الفائدة خلال المدى القريب.

المعادن النفيسة الأخرى تسجل أداءً سلبيًا

لم تقتصر الخسائر على الذهب، إذ تراجعت أسعار الفضة الفورية بنسبة 1.21% إلى 58.45 دولارًا للأوقية، كما انخفض البلاتين بنسبة 1.88% إلى 1,584 دولارًا للأوقية، فيما تراجع البلاديوم بنسبة 0.07% إلى 1,208.28 دولارًا للأوقية.

نظرة مستقبلية

يبقى الذهب رهينة لتوازن دقيق بين عاملين متعارضين؛ فمن جهة توفر التوترات الجيوسياسية دعمًا تقليديًا للطلب على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة وقوة الدولار وتشدد الاحتياطي الفيدرالي إلى زيادة الضغوط البيعية على المعدن النفيس.

وفي ظل هذا المشهد، ستظل بيانات الاقتصاد الأمريكي خلال الأيام المقبلة العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الاتجاه القادم لأسعار الذهب، وما إذا كان سيتمكن من استعادة زخمه أم سيواصل الهبوط نحو مستويات أدنى