الذهب يواجه أسبوعه الثالث من الخسائر مع صعود الدولار والعوائد الأمريكية

الذهب يرتد من أدنى مستوى في أسبوع مع ترقب التضخم وحسم رهانات الفائدة

ارتفعت أسعار الذهب خلال التعاملات الأوروبية يوم الجمعة، لتتعافى من أدنى مستوى في أسبوع بعدما أعاد المشترون دخول السوق قرب حاجز 4,300 دولار للأونصة، في محاولة لاقتناص المعدن النفيس عند مستويات سعرية أقل، بينما تستعد الأسواق لبيانات التضخم الأمريكية التي قد تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

ويظل الارتداد محدوداً حتى الآن، إذ يتجه الذهب لتسجيل ثالث خسارة أسبوعية متتالية، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، بعدما دفعت البيانات الاقتصادية الأخيرة المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض الفائدة وزيادة احتمالات تشديد السياسة النقدية.

الذهب يستعيد بعض خسائره

ارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.95% إلى 4,359.31 دولار للأونصة، مقارنة مع افتتاح عند 4,318.44 دولار، بعدما سجل في وقت سابق 4,300.85 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ 2 سبتمبر.

وجاء التعافي بعد موجة بيع قوية في الجلسة السابقة، عندما هبط الذهب بنسبة 1.9%، مسجلاً رابع خسارة يومية خلال خمس جلسات، في أعقاب بيانات أمريكية عززت المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية.

وعلى أساس أسبوعي، يتجه المعدن النفيس إلى تسجيل خسارة تبلغ نحو 1.6%، في ثالث انخفاض أسبوعي متتالٍ، في وقت تكافح فيه الأسعار للحفاظ على الزخم الصعودي الذي ميز تحركات الذهب خلال الفترات السابقة.

الدولار والعوائد يعيدان تسعير الذهب

يواجه الذهب بيئة أقل دعماً مع استعادة الدولار الأمريكي جزءاً من قوته، إذ ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.1% خلال تعاملات الجمعة، مواصلاً مكاسبه للجلسة الثانية على التوالي بعد ارتداده من أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع.

ويؤدي ارتفاع الدولار عادةً إلى زيادة تكلفة الذهب بالنسبة للمشترين خارج الولايات المتحدة، ما يحد من الطلب على المعدن المقوم بالعملة الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، واصلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية صعودها، إذ ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بنحو 0.4%، مسجلاً خامس جلسة متتالية من المكاسب، ووصل إلى 4.979%، وهو أعلى مستوى له في ثلاث سنوات.

ويضع ذلك العائد على مسافة قصيرة من مستوى 5%، الذي قد يؤدي اختراقه إلى تعزيز جاذبية الأصول الدولارية المدرة للعائد مقارنة بالذهب الذي لا يوفر عائداً دورياً.

النفط يزيد تعقيد مهمة الفيدرالي

أضافت القفزة الأخيرة في أسعار النفط بعداً جديداً إلى معادلة التضخم الأمريكية، في الوقت الذي تهدد فيه اضطرابات الإمدادات العالمية بزيادة تكاليف الطاقة.

وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى انتقال جزء من الضغوط إلى أسعار المستهلكين، ما يزيد من صعوبة مهمة الفيدرالي في احتواء التضخم ويحد من قدرته على تخفيف السياسة النقدية.

وبالتالي، لم تعد أسعار الطاقة مجرد عامل مؤثر في سوق السلع، بل أصبحت أيضاً متغيراً مهماً في تحديد مسار الدولار وعوائد السندات، وبالتالي اتجاه الذهب.

بيانات المنتجين تشعل رهانات رفع الفائدة

ازدادت الضغوط على الذهب بعد أن أظهرت البيانات ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين الأمريكي بنسبة 5.4% على أساس سنوي في أغسطس، متجاوزاً توقعات السوق البالغة 5.3%، ومقارنة بزيادة قدرها 4.8% في يوليو.

وأدت القراءة إلى تحول سريع في توقعات المتداولين بشأن قرار الفيدرالي، إذ أظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لـCME تراجع احتمالات إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع سبتمبر من 40% إلى 28%.

وفي المقابل، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس من 60% إلى 72%.

كما أصبح تسعير الأسواق أكثر تشدداً بالنسبة لاجتماع ديسمبر، إذ تراجعت احتمالات تثبيت الفائدة من 14% إلى 6%، بينما ارتفعت احتمالات رفعها بمقدار 25 نقطة أساس من 86% إلى 94%.

وتعكس هذه التحركات مدى سرعة إعادة تسعير السوق لتوقعات الفائدة بمجرد ظهور مؤشرات على بقاء الضغوط السعرية مرتفعة.

مؤشر أسعار المستهلكين هو الاختبار الأهم

بعد بيانات أسعار المنتجين، تتجه الأنظار إلى مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر أغسطس، والذي قد يمثل نقطة التحول التالية في أسواق الذهب والعملات والسندات.

وستحاول الأسواق تحديد ما إذا كان ارتفاع التضخم يمثل اتجاهاً مؤقتاً مدفوعاً بالطاقة، أم أن الضغوط السعرية أصبحت أكثر اتساعاً واستدامة بما يستدعي موقفاً أكثر تشدداً من الفيدرالي.

وتكتسب البيانات أهمية خاصة لأن أي مفاجأة صعودية جديدة قد تدفع المستثمرين إلى زيادة تسعير رفع الفائدة، بما يمنح الدولار والعوائد مزيداً من الدعم ويضغط على الذهب.

في المقابل، قد تمنح قراءة أضعف من المتوقع متنفساً للمعدن النفيس، عبر تقليص رهانات التشديد النقدي وإعادة توجيه التدفقات نحو الأصول التي تستفيد من انخفاض العوائد.

معركة الذهب لم تعد عند مستوى 4300 دولار فقط

يمثل مستوى 4,300 دولار منطقة اهتمام واضحة للمشترين بعد عودة الأسعار إليه خلال التعاملات الآسيوية، لكن قدرة الذهب على بناء ارتداد مستدام ستعتمد بدرجة أكبر على اتجاه الدولار والعوائد وتوقعات الفائدة.

فاستمرار صعود العوائد قرب مستوياتها المرتفعة، بالتزامن مع قوة الدولار، قد يبقي الذهب تحت الضغط حتى مع استمرار الطلب على المعدن كملاذ آمن.

أما تراجع التضخم بصورة تفوق التوقعات، فقد يغير المعادلة سريعاً، من خلال تقليص رهانات رفع الفائدة وإضعاف الدولار والحد من صعود العوائد، وهي عوامل قد تفتح الطريق أمام الذهب لاستعادة زخمه الصعودي.

وبذلك تدخل الأسواق جلسة البيانات الأمريكية في مواجهة مباشرة بين صدمة التضخم المدفوعة بالطاقة وبين توقعات السياسة النقدية، فيما يظل الذهب في قلب عملية إعادة التسعير هذه