الذهب ينتعش بقوة في تعاملات الجمعة وسط تراجع الدولار والعوائد الأمريكية

الذهب يقفز فوق 4,200 دولار مع تراجع الدولار وتزايد الرهانات على تثبيت الفائدة الأمريكية

استعادت أسعار الذهب زخمها الصعودي خلال تعاملات الجمعة، متجهة لتحقيق مكاسب لليوم الثاني على التوالي، بعدما تجاوزت مستوى 4,200 دولار للأوقية للمرة الأولى خلال الأسبوع، مدعومة بتراجع الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، إلى جانب انحسار توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية على المدى القريب.

وجاءت المكاسب امتدادًا لتعافٍ بدأ عقب هبوط المعدن النفيس إلى أدنى مستوياته في شهرين، إذ شجعت الأسعار المنخفضة المستثمرين على العودة إلى الشراء، بينما أسهمت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر في تهدئة المخاوف بشأن رفع وشيك لأسعار الفائدة.

ومع ذلك، لا تزال آفاق الذهب مرتبطة بمدى استمرار تراجع العوائد الأمريكية، في وقت تكشف فيه تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي عن تباين بشأن الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي قبل نهاية العام.

الذهب يستعيد مستوى 4,200 دولار

ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.8% إلى 4,207.59 دولار للأوقية، بعدما بدأ الجلسة عند 4,133.48 دولار، وسجل أدنى مستوياته خلال التداولات عند 4,130.96 دولار.

وجاء هذا الصعود بعد ارتفاع الأسعار بنسبة 0.55% في جلسة الخميس، مع استمرار التعافي من مستوى 4,066.57 دولار للأوقية، الذي مثّل أدنى سعر في شهرين وسُجل خلال جلسة الأربعاء.

ويعكس تجاوز حاجز 4,200 دولار تحسنًا في معنويات المستثمرين بعد موجة البيع الأخيرة، لكنه لا يكفي وحده لتأكيد انعكاس الاتجاه، خصوصًا أن الذهب لا يزال يتحرك تحت تأثير توقعات الفائدة الأمريكية وتقلبات أسواق السندات والعملات.

وتشير مكاسب الجلستين إلى عودة الطلب عند المستويات المنخفضة، في حين يوفر تراجع الدولار والعوائد بيئة أكثر ملاءمة لاستمرار التعافي.

ضعف الدولار يمنح المعدن النفيس دفعة إضافية

تراجع مؤشر الدولار بنسبة 0.2% يوم الجمعة، مواصلًا خسائره للجلسة الثانية على التوالي، ومبتعدًا عن أعلى مستوياته في 18 شهرًا.

ويسهم ضعف العملة الأمريكية في تعزيز جاذبية الذهب للمشترين من خارج الولايات المتحدة، إذ يخفض تكلفة المعدن المقوم بالدولار بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى.

كما يأتي تراجع الدولار في وقت تعيد فيه الأسواق تقييم مسار السياسة النقدية، مع انحسار نسبي للتوقعات التي كانت ترجح استمرار التشديد النقدي بوتيرة أكثر حدة خلال الفترة المتبقية من العام.

ويظل اتجاه الدولار أحد أبرز المحددات قصيرة الأجل للذهب؛ إذ قد يمنح استمرار تراجعه الأسعار مجالًا لمواصلة الصعود، بينما قد يؤدي تجدد قوته إلى الحد من المكاسب التي تحققت خلال الجلستين الأخيرتين.

انخفاض عوائد السندات يخفف تكلفة الاحتفاظ بالذهب

تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات بنسبة 0.35% خلال تعاملات الجمعة، لتواصل انخفاضها للجلسة الثانية على التوالي، بعدما ابتعدت عن أعلى مستوياتها في نحو 24 عامًا.

ويمثل انخفاض العوائد عامل دعم رئيسيًا للذهب، الذي لا يوفر عائدًا دوريًا، إذ يقلل من جاذبية السندات مقارنة بالاحتفاظ بالمعدن النفيس، ويخفف الضغوط التي تتزايد عادة عندما ترتفع عوائد الأصول المدرة للدخل.

ويعكس التراجع المتزامن في الدولار والعوائد تحولًا نسبيًا في الظروف التي كانت تضغط على الذهب خلال موجة الهبوط الأخيرة، ما أتاح للأسعار استعادة جزء من خسائرها.

لكن استمرار هذا الدعم سيظل مرهونًا ببيانات الاقتصاد الأمريكي المقبلة، ومدى تأثيرها في توقعات التضخم والقرارات المرتقبة للاحتياطي الفيدرالي.

محضر الفيدرالي يخفف رهانات التشديد النقدي

أظهرت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر أن معظم المشاركين رأوا إمكانية أن يكون رفع أسعار الفائدة مجددًا قبل نهاية العام مناسبًا، إلا أن المناقشات كشفت عن اختلافات بشأن مبررات الزيادة وتوقيتها.

ويشير هذا التباين إلى أن صانعي السياسة النقدية لا يزالون يوازنون بين مخاطر استمرار التضخم وتداعيات الإبقاء على تكاليف الاقتراض عند مستويات مرتفعة.

ورغم أن المحضر لم يستبعد زيادات إضافية في الفائدة، فإن قراءته جاءت أقل تشددًا مما كانت تتوقعه الأسواق، ما عزز الرهانات على تثبيت الأسعار خلال اجتماع أكتوبر.

وقال كريستوفر والر، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن هناك مبررات لمزيد من رفع الفائدة، لكنه أشار إلى استعداده للتحلي بالمرونة بشأن وتيرة الزيادات، مع ربط قراراته بتطور البيانات الاقتصادية.

وتعكس تصريحاته استمرار الخلاف داخل البنك المركزي بشأن الخطوة التالية، وهو ما يبقي الأسواق شديدة الحساسية لأي بيانات قد تغير موازين التوقعات.

الأسواق تقلص احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر

بحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، ارتفعت احتمالات تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر من 80% إلى 83%، في حين تراجعت احتمالات رفعها بمقدار 25 نقطة أساس من 20% إلى 17%.

وبالنسبة إلى اجتماع لاحق، أظهرت البيانات تراجع احتمالات رفع الفائدة من 86% إلى 83%، مقابل ارتفاع احتمالات التثبيت من 14% إلى 17%.

ويمنح تراجع احتمالات التشديد النقدي الذهب دعمًا إضافيًا، إذ يقلل من الضغوط المحتملة على العوائد والدولار. ومع ذلك، تظل هذه التسعيرات قابلة للتغير مع صدور بيانات التضخم والتوظيف والنشاط الاقتصادي، فضلًا عن أي تصريحات جديدة لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.

ومن ثم، لن يكون اتجاه الذهب مرتبطًا فقط بقراءة محضر الاجتماع، بل بقدرة البيانات المقبلة على تأكيد أو تقويض الرهانات الحالية بشأن مسار الفائدة.

تراجع النفط قد يخفف الضغوط التضخمية

في أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط بنحو 1% يوم الجمعة، عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن عدم شن هجوم على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.

وقد يساعد استمرار انخفاض أسعار الطاقة في الحد من الضغوط التضخمية، بما قد يمنح البنوك المركزية مساحة أكبر لتقييم السياسة النقدية دون الحاجة إلى تشديد إضافي لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود.

لكن هذا التأثير يظل مشروطًا باستمرار تراجع النفط وانتقاله إلى معدلات التضخم، خصوصًا أن المخاطر الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا.

هل يستطيع الذهب الحفاظ على مكاسبه فوق 4,200 دولار؟

تلقى الذهب دعمًا من اجتماع ثلاثة عوامل: تراجع الدولار، وانخفاض عوائد السندات الأمريكية، وتراجع احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر. كما ساهمت عمليات الشراء عند المستويات المنخفضة في تسريع التعافي من أدنى مستوى في شهرين.

وقد يمهد استمرار هذه الظروف لمزيد من المكاسب خلال الجلسات المقبلة، خصوصًا إذا حافظ الذهب على تداولاته فوق مستوى 4,200 دولار للأوقية، وواصلت الأسواق تقليص توقعاتها بشأن التشديد النقدي.

في المقابل، قد يتعرض المعدن لضغوط جديدة إذا أظهرت البيانات الأمريكية استمرار قوة التضخم أو النشاط الاقتصادي، بما يعيد إحياء رهانات رفع الفائدة ويدفع الدولار والعوائد إلى الارتفاع.

وبذلك، يدخل الذهب المرحلة المقبلة مدعومًا بتحسن العوامل المالية قصيرة الأجل، لكنه يظل بحاجة إلى إشارات اقتصادية أكثر وضوحًا لتأكيد أن التعافي الحالي يمثل بداية اتجاه صاعد مستدام، وليس مجرد ارتداد بعد موجة خسائر حادة