الذهب يلتقط أنفاسه بعد تراجعه لأدنى مستوى في شهرين مع تصاعد القلق بشأن الديون

الذهب يقلص خسائره من أدنى مستوى في شهرين وسط تجاذب بين رهانات الفائدة ومخاطر الديون الأمريكية

استعادت أسعار الذهب جزءًا من خسائرها خلال تعاملات الخميس، بعد هبوطها في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في شهرين، مع موازنة المستثمرين بين الضغوط الناجمة عن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وبين تنامي المخاوف بشأن الديون الحكومية والتوترات الجيوسياسية.

وجاء الارتداد المحدود في سوق المعدن النفيس وسط غموض متزايد بشأن الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي، بعدما كشفت محاضر اجتماعه الأخير عن تباين واضح في وجهات النظر بشأن الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي. وفي الوقت نفسه، أبقت تصريحات مسؤولي البنك المركزي احتمالات رفع الفائدة قائمة، ما حدّ من فرص تعافي الذهب بصورة أقوى.

الذهب يرتد بعد خسائر حادة

ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3% إلى 4,123.42 دولارًا للأوقية بحلول الساعة 2:41 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بعدما تراجع خلال جلسة الأربعاء إلى أدنى مستوياته منذ 5 أغسطس.

كما صعدت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم ديسمبر بنسبة 0.4% لتسجل 4,157 دولارًا للأوقية، في إشارة إلى محاولة السوق استعادة بعض الزخم بعد موجة البيع الأخيرة.

لكن التعافي ظل محدودًا في ظل استمرار الدولار الأمريكي وعائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات عند مستويات مرتفعة للجلسة الثانية على التوالي. ويزيد ارتفاع العوائد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر دخلًا دوريًا، بينما تمنح الأصول المدرة للعائد المستثمرين حافزًا أكبر في بيئة نقدية متشددة.

محاضر الفيدرالي تكشف خلافًا بشأن الخطوة المقبلة

أعادت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر تسليط الضوء على الانقسام داخل البنك المركزي بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية، في ظل استمرار المخاطر التضخمية وعدم وضوح اتجاه الاقتصاد الأمريكي.

فبينما رأى بعض المشاركين أن رفع أسعار الفائدة قد يكون ضروريًا للحد من الضغوط التضخمية الناجمة عن صدمات الطاقة وغيرها من العوامل، أبدى مسؤولون آخرون قلقًا من استمرار قوة الطلب واحتمال ظهور ضغوط سعرية إضافية، بما قد يستدعي تشديدًا نقديًا جديدًا.

ويعكس هذا التباين معضلة تواجه صانعي السياسة: احتواء التضخم من دون المبالغة في رفع تكلفة الاقتراض أو إلحاق ضرر غير ضروري بالنشاط الاقتصادي. وبالنسبة إلى الذهب، فإن استمرار هذا الغموض يجعل تحركات الدولار والعوائد الأمريكية عاملين حاسمين في تحديد اتجاه الأسعار على المدى القريب.

والر يتمسك بخيار رفع الفائدة

عززت تصريحات كريستوفر والر، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حالة عدم اليقين بشأن توقيت التحول المقبل في السياسة النقدية. وقال والر يوم الخميس إن هناك مبررات تدعم إجراء زيادات إضافية في أسعار الفائدة، مع الإشارة إلى أن وتيرة التحركات لا تزال مرنة ويمكن تعديلها وفقًا للبيانات الاقتصادية.

وتشير هذه التصريحات إلى أن احتمال رفع الفائدة لم يُستبعد، رغم استمرار النقاش داخل الفيدرالي بشأن حجم التشديد المطلوب وتوقيته. ومن شأن بقاء هذا الاحتمال مطروحًا أن يحد من جاذبية الذهب، خصوصًا إذا أدى إلى استمرار ارتفاع عوائد السندات ودعم الدولار.

ووفقًا لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، بلغت احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع أكتوبر نحو 17%، مقابل 81% لاحتمال رفعها في ديسمبر، بحسب تسعير الأسواق وقت التداول.

وتظل هذه التوقعات شديدة الأهمية للمعدن النفيس؛ إذ قد يؤدي ارتفاع احتمالات التشديد النقدي إلى زيادة الضغوط على الأسعار، في حين يمكن لأي تراجع في رهانات رفع الفائدة أن يمنح الذهب مساحة أوسع للتعافي.

الديون الأمريكية ومخاطر الشرق الأوسط توفران دعمًا محتملًا

على الجانب الآخر، لا تزال المخاوف بشأن مسار الدين الحكومي الأمريكي والمخاطر المالية طويلة الأجل توفر عوامل دعم محتملة للذهب، باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط في فترات عدم اليقين.

كما تراقب الأسواق تطورات التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما المخاطر التي تهدد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وأثارت تحذيرات إيرانية بشأن المرور في بعض المسارات البحرية مخاوف من احتمال تعطل حركة الشحن، بما قد ينعكس على إمدادات الطاقة وأسعار النفط.

وتحمل هذه التطورات تأثيرًا مزدوجًا على الذهب؛ فتصاعد المخاطر الجيوسياسية قد يعزز الطلب على الملاذات الآمنة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية ويقوي التوقعات باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

معادلة معقدة تحدد اتجاه الذهب

يواجه الذهب في الوقت الراهن ضغوطًا متعارضة؛ إذ يقيد ارتفاع الدولار وعوائد السندات قدرته على الصعود، بينما توفر المخاوف المتعلقة بالديون الأمريكية والتوترات الجيوسياسية دعمًا محتملًا للطلب على المعدن النفيس.

ومن المرجح أن تظل الأسعار شديدة الحساسية للبيانات الاقتصادية الأمريكية المقبلة، وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب تحركات الدولار وعوائد الخزانة وأسعار الطاقة.

وفي ظل عدم وضوح مسار السياسة النقدية، لا يزال التعافي الأخير أقرب إلى محاولة لتقليص الخسائر منه إلى تأكيد انعكاس الاتجاه. وستتوقف قدرة الذهب على استعادة الزخم الصاعد على ما إذا كانت مخاطر الديون والتوترات الجيوسياسية ستتغلب على الضغوط الناجمة عن تشدد التوقعات النقدية الأمريكية