الذهب يتخلى عن مكاسبه مع قفزة رهانات رفع الفائدة إلى 70 بالمئة بتعاملات أمس الخميس

الذهب يتراجع مع تصاعد رهانات رفع الفائدة وضغوط النفط على التضخم

تراجعت أسعار الذهب بأكثر من 1% خلال تعاملات الخميس، مع تعرض المعدن لضغوط مزدوجة من تسارع ضغوط الأسعار في الولايات المتحدة وارتفاع أسعار النفط، ما دفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على تشديد السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه الأسبوع المقبل.

وجاءت موجة البيع في الذهب بالتزامن مع ارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، في وقت عززت فيه قفزة أسعار الطاقة المخاوف من أن التضخم قد يظل مرتفعًا لفترة أطول، ما يقلص فرص تحول الفيدرالي سريعًا نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.

الذهب يتراجع من أعلى مستوياته

انخفض الذهب الفوري 1% إلى 4,355.85 دولار للأوقية بحلول الساعة 17:42 بتوقيت غرينتش، بعدما بلغت خسائره خلال الجلسة نحو 1.7%، ليلامس أدنى مستوى عند 4,323.78 دولار.

وتراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي 1.2% إلى 4,407.30 دولار للأوقية عند التسوية.

ويأتي الهبوط بعد تعافي المعدن في الجلسات السابقة، لكنه يعكس تحولًا سريعًا في معنويات السوق بعدما أظهرت أحدث البيانات الاقتصادية أن ضغوط الأسعار قد تكون أكثر صلابة مما كانت الأسواق تراهن عليه.

تضخم المنتجين يعيد إشعال مخاوف الأسعار

جاء الضغط الرئيسي على الذهب من بيانات مؤشر أسعار المنتجين الأمريكي PPI، التي أظهرت ارتفاع أسعار المنتجين للطلب النهائي بنسبة 0.4% في أغسطس، بعد زيادة معدلة بالرفع بلغت 0.1% في يوليو.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية لدى Capital.com، إن البيانات تشير إلى وجود بعض التسارع في التضخم الأساسي للاقتصاد الأمريكي، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة يمثل أحد العوامل المساهمة في ذلك.

وتكتسب بيانات المنتجين أهمية أكبر في ظل ارتفاع أسعار النفط، إذ يخشى المستثمرون من انتقال صدمة الطاقة إلى تكاليف الإنتاج والنقل، بما قد يبقي التضخم أعلى من المستويات التي يستهدفها الفيدرالي.

النفط يضيف طبقة جديدة من التضخم

ارتفعت أسعار النفط بنحو 4% الخميس، مع صعود خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل، بعدما أدت أحدث موجة من الهجمات على حركة الشحن في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى زيادة المخاوف بشأن اضطراب الإمدادات.

ويشكل ارتفاع النفط تحديًا إضافيًا للفيدرالي، إذ قد تؤدي صدمة المعروض إلى رفع التضخم في وقت تحاول فيه الأسواق تحديد مدى استعداد البنك المركزي لتغيير مسار الفائدة.

وبالنسبة إلى الذهب، تتحول هذه المعادلة إلى ضغط مباشر عندما تدفع أسعار الطاقة المرتفعة المستثمرين إلى توقع عوائد أعلى وفترة أطول من التشديد النقدي.

الأسواق ترفع رهاناتها على رفع الفائدة

استجابت أسواق الفائدة سريعًا للبيانات، إذ ارتفع احتمال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة 25 نقطة أساس الأسبوع المقبل إلى نحو 70%، مقابل 62% قبل صدور بيانات التضخم، وفق أداة «FedWatch» التابعة لبورصة CME.

ويعكس هذا التحول مدى حساسية توقعات السياسة النقدية لأي مفاجأة في بيانات الأسعار، خصوصًا مع اقتراب اجتماع الفيدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر.

لكن تسعيرات الأسواق لا تتوافق بالكامل مع توقعات الاقتصاديين، إذ تشير أغلبية المشاركين في استطلاع أجرته «رويترز» إلى أن الفيدرالي سيُبقي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل، وكذلك خلال ما تبقى من العام.

وهذا التباين يجعل بيانات التضخم المقبلة أكثر أهمية، خصوصًا مؤشر أسعار المستهلكين، الذي قد يكون أكثر قدرة على تحديد اتجاه رهانات الفائدة.

الدولار والعوائد يضاعفان خسائر الذهب

تزامن تحول توقعات الفائدة مع ارتفاع الدولار الأمريكي، ما رفع تكلفة الذهب بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.

كما ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، ليضيف ضغطًا آخر على المعدن النفيس.

ويُعد الذهب من أكثر الأصول حساسية لتحركات العوائد، إذ لا يوفر دخلًا دوريًا، وبالتالي تصبح تكلفة الفرصة البديلة لحيازته أعلى عندما ترتفع عوائد السندات.

وقال رودا إن سوق السندات تحتاج إلى عكس ضغوط تضخمية أكثر استمرارًا وارتفاعًا نتيجة صعود أسعار النفط، وهو ما يفسر جزءًا من تراجع الذهب.

صدمة الطاقة تقلب معادلة الملاذ الآمن

رغم أن تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كان من المفترض أن يعزز الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، فإن تأثير صدمة الطاقة على توقعات الفائدة طغى على هذا العامل.

وهذه نقطة محورية في حركة السوق الحالية: التوتر الجيوسياسي يدعم الذهب عادة، لكن ارتفاع النفط الناتج عن الصراع قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تعزيز التضخم والعوائد والدولار، وهي عوامل سلبية للمعدن.

لذلك، أصبح رد فعل الذهب تجاه التصعيد العسكري مرتبطًا ليس فقط بحجم المخاطر الجيوسياسية، وإنما أيضًا بتأثيرها على مسار التضخم والسياسة النقدية.

موجة بيع تمتد إلى المعادن النفيسة

لم تقتصر الخسائر على الذهب، إذ تراجعت الفضة الفورية 4.6% إلى 64.19 دولار للأوقية، بينما هبط البلاتين 5.5% إلى 1,791.13 دولار.

كما انخفض البلاديوم 5.1% إلى 1,283.52 دولار، في إشارة إلى اتساع عمليات تقليص المراكز في قطاع المعادن النفيسة مع ارتفاع الدولار والعوائد.

بيانات التضخم المقبلة تحسم اتجاه الذهب

يدخل الذهب المرحلة المقبلة في مواجهة مباشرة مع بيانات التضخم الأمريكية، بعدما دفعت بيانات المنتجين الأسواق إلى إعادة تسعير احتمالات رفع الفائدة.

وسيكون مؤشر أسعار المستهلكين الاختبار الأهم لتحديد ما إذا كان ارتفاع أسعار المنتجين يمثل بداية لموجة تضخمية أكثر اتساعًا، أم مجرد تأثير مؤقت لارتفاع تكاليف الطاقة.

إذا جاءت بيانات التضخم أضعف من المتوقع، فقد تتراجع رهانات رفع الفائدة، ما قد يدفع الدولار والعوائد إلى الانخفاض ويمنح الذهب فرصة لاستعادة زخمه.

أما إذا جاءت القراءة أعلى من التوقعات، فقد تزداد احتمالات التشديد النقدي، خصوصًا إذا ظل النفط فوق مستويات 100 دولار، ما يضع مزيدًا من الضغط على الذهب.

وفي ظل هذه المعادلة، يتحول مسار الذهب إلى رهان على اتجاه الفائدة أكثر من كونه مجرد رهان على المخاطر الجيوسياسية؛ فالمعدن يحتاج إلى تراجع التضخم والعوائد حتى يتمكن من استعادة قوته، بينما قد يؤدي استمرار صدمة النفط إلى إبقاء السوق في وضع دفاعي قبيل قرار الفيدرالي