أسعار النفط تنخفض مع تركيز المستثمرين على مخاطر الإمدادات الناتجة عن التوترات في الشرق الأوسط

الأسواق تلتقط أنفاسها بعد موجة صعود قوية… لكن المخاوف بشأن أمن الملاحة في الخليج تُبقي علاوة المخاطر مرتفعة

تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف خلال تعاملات الخميس، بعدما سجلت أعلى مستوياتها في نحو شهر، في ظل إحجام المستثمرين عن بناء مراكز جديدة، بينما يواصلون تقييم مدى تأثير التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران على تدفقات الخام عبر الخليج، في وقت لا تزال فيه المخاطر الجيوسياسية توفر دعمًا قويًا للأسعار.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 27 سنتًا، أو 0.3%، إلى 84.68 دولارًا للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 11 سنتًا، أو 0.1%، إلى 79.49 دولارًا للبرميل بحلول الساعة 10:11 بتوقيت غرينتش.

ورغم هذا التراجع المحدود، ظل الخامان قريبين من أعلى مستوياتهما منذ نحو أربعة أسابيع، في إشارة إلى أن الأسواق لا تزال تسعر احتمالات تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

التصعيد العسكري يعزز علاوة المخاطر

جاءت تحركات السوق بعد يوم من تنفيذ الولايات المتحدة ضربات استهدفت مواقع للدفاعات الساحلية ومنصات صاروخية إيرانية، بالتزامن مع بدء تطبيق الحصار البحري على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، في خطوة رفعت منسوب التوتر في أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط عالميًا.

وردت إيران بتأكيد أن المواجهة الحالية تمثل “حربًا وجودية”، ملوحة باتخاذ إجراءات قد تؤثر في صادرات الطاقة الإقليمية، الأمر الذي أعاد إلى الأسواق مخاوف تعطل الإمدادات بعد انهيار اتفاق التهدئة الذي أُبرم في يونيو.

ويأتي هذا التصعيد في وقت يمر فيه نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في توازن سوق الطاقة.

حركة الناقلات تحت المجهر

أظهرت بيانات الملاحة انخفاض عدد السفن العابرة لمضيق هرمز إلى سبع سفن فقط في أول يوم بعد إعادة فرض الحصار البحري، مقارنة مع 13 سفينة في اليوم السابق، ما يعكس تنامي الحذر بين شركات الشحن وشركات التأمين البحري.

ورغم هذا التراجع، لا تزال صادرات النفط تتدفق عبر المضيق، وهو ما حال دون تسجيل قفزة جديدة في الأسعار.

وقال وائل مكرم، كبير استراتيجيي الأسواق المالية لدى Exness، إن المستثمرين يركزون بصورة أكبر على التدفقات الفعلية للخام أكثر من التصريحات السياسية، مشيرًا إلى أن استمرار عبور الناقلات، ولو بوتيرة أبطأ، خفف من مخاوف نقص الإمدادات في الأجل القصير.

مخاطر امتداد الأزمة إلى باب المندب

في المقابل، صعدت إيران من لهجتها، مؤكدة أن مضيق هرمز يمثل “خطًا أحمر”، ومحذرة من أنها سترد على أي استهداف لمنشآتها النفطية عبر مهاجمة البنية التحتية للطاقة في الخليج.

ويرى محللون أن هذه التصريحات تزيد احتمالات انتقال المواجهة إلى مضيق باب المندب، عبر تصعيد محتمل من قبل الحوثيين، وهو ما قد يهدد ثاني أهم ممر بحري لتجارة النفط العالمية، ويضاعف الضغوط على سلاسل الإمداد وأسعار الشحن.

الأسواق لا تستبعد سيناريو 100 دولار

قال أولي هفالبي، محلل الأسواق لدى SEB Research، إن رد فعل السوق لا يزال أقل من حجم المخاطر الجيوسياسية، معتبرًا أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يدفع خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 90 و95 دولارًا للبرميل، مع إمكانية تجاوز 100 دولار إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة أو صادرات الخليج لتعطلات مباشرة.

وفي السياق ذاته، توقعت Oxford Economics أن يستمر عبور السفن عبر مضيق هرمز، ولكن بوتيرة أبطأ وأكثر تقلبًا، وهو سيناريو من شأنه الإبقاء على أسعار النفط فوق 80 دولارًا للبرميل خلال الأشهر المقبلة، مع تعرض السوق لموجات متكررة من التقلبات كلما تصاعدت المخاطر العسكرية.

عوامل إضافية تدعم التقلبات

وفي تطور منفصل، أعلن جهاز الأمن الأوكراني تنفيذ هجوم بطائرات بحرية مسيّرة استهدف ناقلتين روسيتين تابعتين لـ”أسطول الظل” في البحر الأسود، في مؤشر على استمرار المخاطر التي تواجه تجارة الطاقة العالمية من أكثر من جبهة.

ويرى متعاملون أن المرحلة الحالية لا تتسم بنقص فعلي في المعروض، وإنما بارتفاع واضح في علاوة المخاطر، وهو ما يجعل أسعار النفط شديدة الحساسية لأي تطور ميداني قد يؤثر في تدفقات الخام أو يوسع رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة