الذهب ينافس السندات الأمريكية على عرش الاحتياطيات العالمية.. هل تهتز مكانة الدولار؟

كشفت تقارير حديثة أن الذهب يواصل تقدمه بوتيرة متسارعة ليقترب من تجاوز سندات الخزانة الأمريكية كأكبر أصل احتياطي خارجي تحتفظ به الحكومات حول العالم. ويأتي هذا التحول اللافت مدفوعًا بعاملين رئيسيين، هما الارتفاع المستمر في أسعار المعدن النفيس، والتوسع الملحوظ في مشتريات البنوك المركزية من الذهب خلال السنوات الأخيرة

ولا يعكس هذا التطور مجرد تحرك سعري عابر أو قرارًا استثماريًا مؤقتًا، بل يشير إلى تحول أعمق في هيكل وتفضيلات الاحتياطيات العالمية. فمع تصاعد معدلات التضخم، وتزايد حدة التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مستويات القلق بشأن استدامة هيمنة الدولار على المدى الطويل، يستعيد الذهب دوره التاريخي كملاذ آمن وركيزة أساسية في النظام المالي العالمي

ومن المرجح أن تمتد تداعيات هذا التحول إلى مختلف جوانب الأسواق المالية العالمية، بدءًا من تحركات أسعار العملات وتدفقات رؤوس الأموال، وصولًا إلى سياسات إدارة الاحتياطيات لدى البنوك المركزية خلال السنوات المقبلة. ومع اقتراب قيمة احتياطيات الذهب العالمية من تجاوز حيازات سندات الخزانة الأمريكية، يبدو أن النظام المالي الدولي يشهد تحولًا تاريخيًا في موازين الأصول الاحتياطية

احتياطيات الذهب تقترب من تجاوز سندات الخزانة الأمريكية
أظهرت بيانات صادرة عن مجلس الذهب العالمي أن القيمة الإجمالية لاحتياطيات الذهب الرسمية التي تحتفظ بها الحكومات الأجنبية باتت على مقربة من تجاوز قيمة حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، والتي تُقدّر بنحو 3.88 تريليون دولار. ويعود هذا التطور في المقام الأول إلى الارتفاع الحاد في أسعار الذهب، إلى جانب عمليات شراء مكثفة نفذتها البنوك المركزية حول العالم خلال الفترة الماضية

العودة إلى عام 1996: سابقة تاريخية تتكرر
ويُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتفوق فيها الذهب على سندات الخزانة الأمريكية ضمن مكونات الاحتياطيات العالمية، إذ يعود آخر تفوق مماثل إلى عام 1996، في مرحلة مفصلية من تاريخ إدارة الأصول الاحتياطية عالميًا، قبل أن تدخل الأسواق بعدها في حقبة طويلة من صعود الدولار الأمريكي وسندات الخزانة كملاذ رئيسي للبنوك المركزية

واليوم، وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود، يبدو أن المشهد يعيد تشكيل نفسه ولكن ضمن سياق مختلف جذريًا. فالعالم يواجه معدلات تضخم مرتفعة، وتصاعدًا في التوترات الجيوسياسية، وتحديات غير مسبوقة تواجه النظام النقدي الدولي، ما يعيد الاعتبار للأصول الملموسة وفي مقدمتها الذهب

الأصول الرقمية ضمن المشهد الأوسع
وفي هذا الإطار، يبرز أيضًا أداء الأصول الرقمية كجزء من التحولات الأوسع في خريطة الأصول العالمية، حيث يتم تداول عملة بيتكوين حاليًا قرب مستوى 92,712 دولارًا، بقيمة سوقية تُقدّر بنحو 1.85 تريليون دولار، فيما يبلغ حجم التداول اليومي قرابة 54.67 مليار دولار. ويعكس ذلك اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين، رغم تراجع العملة بنحو 24% خلال الأشهر الثلاثة الماضية

التوترات الجيوسياسية تعزز الطلب على الأصول الملموسة
يرى فريق أبحاث «كوينكو» أن تصاعد التوترات الجيوسياسية والضغوط التضخمية يدفع المستثمرين والبنوك المركزية على حد سواء إلى زيادة الاعتماد على الأصول الملموسة، وعلى رأسها الذهب. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متناميًا لمخاطر الاعتماد المفرط على الأصول الورقية والاحتياطيات المقومة بالدولار فقط

ويتمتع الذهب، على عكس السندات والعملات، بميزة عدم الارتباط المباشر بسياسات دولة بعينها، كما أنه أقل تأثرًا بالتقلبات السياسية وقرارات البنوك المركزية الكبرى، ما يجعله خيارًا مفضلًا في فترات عدم اليقين. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الصعود الحالي للذهب كظاهرة مؤقتة، بل كجزء من تحول هيكلي أعمق في أساليب إدارة الثروة والاحتياطيات على المستوى العالمي